وكان قد حدث في العراق في أعقاب زوال العهد الملكي شيء مماثل، فقد فرضت الدعاية الناصرية قبل انقلاب تموز حصارًا على الدعاة، ضاعفت أثره دعاية الأحزاب العلمانية المتحالفة ضمن جبهة واحدة، فكان هناك انطواء من كثير من الدعاة على أنفسهم، وتعطلوا عن النشاط، وكادت عملية التجميع أن تتوقف إلا قليلًا، وناء الجيل المؤسس بأعمال الإدامة دون ظهير جديد، فلما أرهقت أعمال الشيوعيين أهل العراق بعد الانقلاب، وحصلت المجازر المنكرة، تبدلت معايير الناس، واصبحوا يرحبون بكل منقذ، وفطن الكثير منهم لما كان منهم من ظلم لدعاة الإسلام بفعل الإشاعات الكاذبة، فانفتح مجال للتجميع غير الذي انفتح لحزب البعث وللقوميين يعتبر أرحب بكثير، لسهولة شروطهم وصعوبة التزاماتنا الشرعية، وبرز من بين الدعاة جيل قيادي جديد لم يكن الحاسب يحسب من قبل أنه سينشأ، وكان تطور الحركة الإسلامية في العراق آنذاك جزءًا لم يكن بالإمكان فصلة عن التطور العام السريع للحياة السياسية في العراق.
إن هذه الأمثلة كافية للإقناع بأن لكل مرحلة جيلها وأهلها، وأن لكل حلبة رجالها، وأن هناك تفاعلًا متبادلًا بين كل ظرف والذين يعيشونه يكفل استمرار التوالد القيادي، حتى أن الانتقال إلى مرحلة الصراع الثالثة قد يشهد مرة أخرى فشل بعض العناصر التي برزت في الانفتاح، مع ما كان لها من وعي وذكاء ومشاركة كثيفة في يوميات النشاط المختلف الوجوه، ويبزغ فجر جيل جديد آخر، وتتقدم عناصر كانت مغمورة من قبل تضغط وتناوش، وتتبدل صفات الجدارة مرة أخرى، وتكون صفات الشجاعة والبطولة في الموقف الحاسمة هوية انتساب جديدة لطبقة قيادة طارفة تستثمر ما بدأه الرهط التليد.
دعوة …. ليست شركة تجارية