الصفحة 345 من 373

( السبب الثاني ) : أن لعمل الدعوة شرة وفترة، والإيمان يزيد وينقص، وقد ذكر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ( إن لهذه القلوب شهوة وإقبالا، وإن لها فترة وإدبارًا ) (1) . وتملك المجموعة قلبًا مشتركًا واحدًا تعتريه فترات من التمهل بعد كل قوة، ولعل الرائى يرى مثل هذه الظواهر الطبيعية، من الفترة والنقص، والإدبار، فيتزمت في تقديرها، ويبالغ في الإبتئاس منها، ويصفها بأكثر من حقيقتها، ويدعى أنه العقم في الدعوة، ويخفي عليه أن الإبطاء قد يعتري الجماعة كما يعتري الفرد، لوجود الفتن، أو طول المسير، ونحو ذلك، وإن الإسراع آت.

(السبب الثالث) : أن الواجب اليومي الذي كان قد ألقي على عاتق جيل التأسيس في أول نشأة الدعوة يعتبر أصعب وأثقل من الواجب الذي يؤديه الدعاة في مرحلة انتشارها وسعتها، إلا أنه أقل إشغالًا وفيه تربية مستكنة لا تتطلب كثرة تحرك.

بينما نجد أن خطة بعض الحركات حين تقارب الانفتاح أو حين تتوغل فيه تجعل يوم الداعية مليئًا بأنواع من النشاط كثيرة، وتكثف الجزئيات التنظيمية والتربوية ويتعدد الذهاب والمجيء، واللقاء والاجتماع، وتتكرر المحاضرات والحفلات، والرخلات والمهرجانات، والألعاب والمسابقات، زيادة على ما قد يكون من المظاهرات والإثارة الجماهيرية، ونزول الانتخابات النقابية، وهذه السعة تجعل الوقت الحر الذي يصفو لكل داعية ضيقًا جدًا، حتى ليضع رأسه على وسادته منتصف الليل مرهقًا فتضمحل مطالعاته المنهجية، ويبدأ يستهلك رصيده الذي كونه بالأمس، وتضطرب عباداته التنفلية، وشؤونه المعاشية والمهنية.

(1) كتاب الزهد لابن المبارك/469.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت