(السبب الأول) : أن المجموعة الرائدة من شأنها أن تكون صغيرة، قليلة العدد، كثيرة اللقاء، فيعرف الواحد منهم جميع من يبرع في مرحلة التأسيس، فإذا انتشرت الدعوة وكثر العدد: ضعفت هذه المعرفة، بصورة طبيعية، ويصرف نظر الداعية عن رؤية معادن جيدة، تعمل في غير القطاع الذي يتواجد فيه.
كما أن الدعوة قد تنشأ علنية أول مرة فيعبق ذكر صاحب الخير العامل، وتشهره الصحافة الإسلامية أو الحفلات والنشاطات العامة، ثم تضطر الدعوة إلى التحول إلى السرية والتكتم، حتى ليعمل الداعية بيمينه ما لا تعلمه شماله، وتتعمد القيادة التورية وإخفاء أسماء الصاعدين، خوفًا عليهم من بطش الحكومات وإرهاب الأحزاب، فيظن المراقب توقف العطاء.
وخذ لنفسك موعظة في هذا الباب مما يجيش في صدور البعض من وساوس إذا ساررت الجماعة باسم قائدها وحجبت عن الجدد والعامة خبرة، تأمينًا لسلامته وتجنبًا لأذى قد يلحقه، فهم يجفلون من ذلك، وقد يستبد بهم ظن السوء، أو لا يلمسون محاسنة، لعدم تعاملهم المباشر معه، ولربما زلت قلوبهم بنكوص قبل أرجلهم، فيأتي الواعي يحاورهم، يدعوهم إلى رؤية القرينة الواضحة والدليل الأكيد على نزوله منازل الثقات وصعوده مصاعد الأخيار، ويطلب منهم التأمل: كيف أنه:
يقود، وما خبرناه، ولكن ~~~ طهارة صحبة: الخبر الجلي
... وهذا منطق سليم قوي يفترض فيمن يعقله إنهاء صدوده والإسراع إلى الاستغفار، فإن حسن ظنه بالقائد لمجهول ينبني على حسن معرفته بصدق وإخلاص وجدارة صحبة الظاهرين.
فكذلك ما يكون من خفاء أفراد الجيل القيادي الجديد، فإنك قد لا تلتقي بهم، ولا تقف على خبرهم، ولكن الضبط التنظيمي وتوسع النشاط يشكلان خبرًا جليًا يفصح عن وجودهم.