الصفحة 343 من 373

وبمثل هذا المنطق ننقض نظرية استقلال تنظيم الموظفين عن غيرهم من الدعاة، أو عموم التنظيمات الاختصاصية، فإن الاختلاط القيادي في كل منطقة سكنية مطلوب، ولا بد أن تجمع بين الهمم والقابليات والطبائع ليحصل التعادل التربوي والتحرك التنفيذي، وليس من الصواب أن يحتكر الموظفون الحكمة يتداولونها بينهم، ولا أن نمنع عنهم نبضات الناشئة التي يمكن أن تهز ساكنهم، وما هي بوصايا معدودة يدونها الحكماء لتشاع الحكمة ويباح ما كان محتكرًا، ولكنها خواطر تروي على عدد الساعات، وتعقيبات على الفلتات والأخطاء، وثناء على الصواب، وتوسط عند التطرف وتباين الآراء، وإصلاح عند الغضب واختلاف القلوب، ودلالة على الذوق الجميل والهدى الحسن، وإفتاء عند الحيرة، ولن يكون كل هذا إلا بالامتزاج المسترسل المنساب غير المتكلف بين أجيال الدعاة ومعادنهم المتنوعة، ولايتجاوز هذا المعنى غير داعية محدود التجربة، ولا تدخل العلل على الخطط إلا من نقص التجريب.

الدعوة المعطاء

وتظل هذه الدعوة معطاء، كثيرة الخير، ذات مقدرة على نجدة القضية الإسلامية بجحافل رجال تترى، ومد الزعيم المسلم الراغب بتطبيق نظرية الأجيال القيادية بأفذاذ يقتحمون.

... ولكن الدعوات التي أنهت مرحلة التأسيس ولم تتوغل في الانفتاح بعد، أو الدعوات المتوغلة التي تجبرها الظروف الإرهابية على اختصار النشاط: يلاحظ فيهما المراقب المتسرع ما يشبه ظاهرة الجزر في تكوين الرجال، ويظن أن هناك تقصيرًا في تربية العناصر القيادية ولا يوجد من يخلف الرعيل المؤسس المتفاني أو يشابهه في علو الهمة وبذلك الجهد.

وليس الأمر كما يصفه هذا الوهم، بل المضاهاة دائبة، ولكن العجول لا يرى نشأة من يقتنفي أثار الأوائل، وأسباب في ذلك أربعة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت