الصفحة 340 من 373

من هذه الظاهرة نشتق وجوب تطعيم القيادة تطعيما تدريجيا متكررا بعناصر جديدة من شباب الدعاة الذين يمثلون أماني وتطلعات جيلهم .

وقد وجدنا لأبي مسلم الخرساني كلاما لطيفا في ما شاهده من طبائع الهمم، وهو قاد داهية، ومن الأفذاذ، وفي قمة الكفاية القيادية، مع ما فيه من سوء وفجور وشعوبية، فقد توجه له معجب به بعد خوضه معاركه الكثيرة التي أرسى بها دعائم الدولة العباسية فسأله:

( أي الناس وجدتهم أشجع ؟ ) .

وقد توقع أن يجيبه بأنه وجد بني فلان أشجع، أو فتيان مدينة كان له علي أسوارها نزال، أو جنود معركة معينة، ولكن أبا مسلم قال:

( كل قوم في إقبال دولتهم شجعان) .

وهو جواب مجرب ذكي حقا، ذكر فيه الشجاعة، لكنه أومأ بها إلي جميع الصفات الإيجابية في الفرد، أنها تكون في أول إقدامه علي اقتحام الأمر الذي عزم علي خوضه أكثر توفرا وأظهر، وكان للأديب الثقة أبي حيان التوحيدي استيعاب كامل لهذا الإيماء، وإحساس بميزة الجواب ، فقال:

وقد صدق، وعلي هذا كل أمة في مبدأ سعادتها أفضل وأنجد، وأشجع وأمجد، وأسخى وأجود، وأخطب, انطق, وأرى وأصدق .

وهذا الاعتبار ينساق من شيء عام لجميع الأمم، إلي شيء شامل لأمة أمة، إلي شيء حاو لطائفة طائفة، إلي شيء غالب علي قبيلة قبيلة، إلي شيء معتاد في بيت بيت، إلي شيء خاص بشخص شخص وإنسان إنسان (1)

فكل جيل من الدعاة، نشأ في ظروف سياسية وفكرية وتربوية متقاربة، ربما يكون مؤهلًا لمعالجة عواقب تلك الظروف، أكثر مما يكون جيل من قادهم ورباهم، إذا تعبوا. وألهتهم مشاغل الحياة، أو أرهقهم مداراة البيوت والأولاد، وعلى القدماء أن يتيحوا طريقًا لأصحاب الدم الفائر. ويبقون لهم أهل نصح ورواية تجربة ومشاورة، فإن استغلال جودة معدن الصاعد الممتلئ همة في تدريبة على العمليات القيادية خير من الحجر عليه.

(1) الإمتاع والمؤانسة 1 / 57.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت