الصفحة 338 من 373

ومن جانب آخر، فإن هذه التضحية والنظرة الواقعية مطلوبة من الأعضاء أيضا، ليكون القائد جريئا في تكليف غيره، وذلك بأن يعرف الإتباع، ضرورة التجاوز عن المتدرب القيادي إذا أخطأ أو قصر، فإن مشاكل العمل ويوميات النشاط وعوامل التغير في المواقف تحتاج إلي اجتهاد متجدد لم يستتم له بعد، فهو في خطأ وصواب متناوبين يستمران مدة حتى يستقيم له الصواب ويطرد، ولا يكاد . كما أن نفسه لم يكمل ترويضها بعد، ولم ترتفع إلي درجة موازاة صفات التجرد الأعلى والتوكل الرفيع المفترض في القادة، ولم تنزل إلي أوطأ القناعة والذوبان الكامل في تيار الدعوة، فهو في شوق وحنين أيضا إلي بعض الراحة والاهتمامات الدنيوية، فيلحقة بعض التقصير بين كل همتين وحميتين وجدين، وما لم يكن إخوانه ممن جنود الدعوة علي نمط أوسط في تقدير جهوده، يرفضون الغلو في محاسبته كأنفتهم من التزلف له ومداهنته، فإن نفسه ستضجر، وسيحجم عن ممارسة قيادية فتح معها صدرة ليتلقى به بدلا عن إخوانه طعنات الأعداء، فإذا بظهره تملؤه نغزات المتزمتين من صحبه الدعاة .

إن المتدرب القيادي يكون جريئا مقداما في تصديه لارتقاء السلم القيادي، أو جبانا، بحسب ما يكون من تقبل الأعضاء لخطئه أو إفراطهم في الغضب، إذ أن الطبيعة الإنسانية تدعوه للكف، ويجفل، وتعود مسألة تكوين الجيل القيادي صعبة لعدم وجود من يتصدى متطوعا، ويكثر الجلوس على التل طلبا للسلامة ومن لسان الأقران، لا السلامة من أذى الأعداء .

إن الاعتدال والتأول للمخطئ، والاستغفار له عند الكبوة: أبواب عريضة لتكوين القادة، لكنها لا تعني بالتالي استطابة المتدرب للراحة والكسل أو الغفلة عما في اللين السياسي والسلوكي من إلقاء الشيطان .

وهكذا، فإن هذين التنازلين المتكاملين، من القائد والأعضاء، هما ثمن هذه الأماني التي يحلم بها من يرهبه ضعف الطبقات القيادية وتعلق المستقبل والمصير بفذ رائد مبدع واحد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت