الصفحة 333 من 373

والتخفف منها ضروري للإسراع في خروج المخاطرة، ومن استكثر: أثقلته وألهته، وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: ( إن قليلا يغنيكم خير من كثير يلهيكم) ولذلك كره الفقهاء كثرة التمتع بالحلال، لما فيه من تخذيل المتمتع عن الجهاد وإبطاء النفرة .

وما لم يكن هذا التقلل: كان الاسترسال في الاستزادة، وعراض التمنيات، فإن إغراءها دائم لا يفتر، والنفس تضعف، وكم من لاحق لم يعظه ماض، ولما التفت الشاعر بعد الانتباهه وجد الركب مزدحما، ورأي وراءه قوما ما زال يستدرجهم حبها، فقال ندمان آسفا:

ما أنت يا دنيا وما ~~~ وأبقيت للأحلام مني؟

تطوين بالإغراء أيامي ~~~~~~ وأطويها تمني

غنيت حبك وانتشيت ~~~ وكم فتي بعدي يغني

ولذلك كان من تمام واجب الدعوة أن تنشل دعاتها من ركب النشوة الهائم، وتميزهم في ركب جد مستقل، وتعاكس أغاني الغافلين بحداء التوبة الإيمانية، إذ يرفع الحادي صوته شاكرا ..

صحا قلبي وأقصر بعد غي ~~~ طويل كان فيه من الغواني

بأن قصد السبل فباع جهلا ~~~ برشد وارتجي عقبي الزمان

وقدما كان معترما جموحا ~~~~~~ إلي لذاته سلس العنان

واقلع بعد صبوته وأضحي ~~~ طويل الليل يهرف بالقران

ويدعو الله مجتهدا لكيما ~~~ ينال الفوز من غرف الجنان

فتمضي قافلة الخير في الطريق عازمة ، غير أنه طريق الفتوة الإيمانية، لا طريق الرهبان النصارى، كما قال بعض الشيوخ: ( طريقنا وتفتي وليس تنصر ) .

قال ابن تيمية: ( يعني: استعمال مكارم الأخلاق، ليس هو النسك اليابس ) (1)

وآية ذلك: أن لا تترك المال بتاتا، فإنه عصب الحياة والعمل، ولكن تجعله في يدك لا في قلبك، غير فرح به إذا أتي، ولا آسف إذا فات، كما قال الله تعالى: ( لكي لا تأسوا علي ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم ) .

مسيرة الخطوة الواحدة

هذه الصفات: بعضها يسند بعضا لتكوين الشخصية الإيمانية التي تتولى تنفيذ الخطة الإسلامية .

(1) مجموع فتاوى ابن تيمية 11 / 84

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت