الصفحة 332 من 373

ثم يبادر فيبايع: ( إن يدركنى يومك: أنصرك نصرا مؤزرا) (1)

وهكذا سن ورقة في أمتنا سنة المبادرة المبكرة إلي التعاهد، فألزمنا من بعده .. لا فكاك .

وفي ذلك إشارة قوية إلى ما يجب أن يكون عليه الداعية من همة الوفاء ، وأن عليه نصر يوم الدعوة الفاضل .

( الصفة التاسعة ) : خروج المخاطرة الباذلة

فإن عملنا هو عمل تعرضي، وما هو بمجرد عمل سياسي بحت، ولا هو بالعمل التربوي المجرد، وإنما نحن حركة لدعاتها مخارج ومخاطرات، وبذل

كذلك سماها رسول الله صلي الله عليه وسلم لما سئل عن أفضل العمل، فقال:

( رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء) . (2)

فانظر وحلل هذه الكلمات: تجد كيف أنه:

خرج: وهو الخروج اليومي للتبشير بالدعوة، أو دخول المعارك الحاسمة، لا يحدث نفسه بأوبة ..

يخاطر: فسماها مخاطرة، وإلا فما أسهل الإقدام علي العمل المضمون .

بنفسه: أي يروحه، بدمه، بجسده، لا يخشى حبلا ولا رصاصة .

وماله: أي براتبه، وموارده، وأملاكه، التي هي ملك الدعوة وأجازت له الانتفاع منها .

فلم يرجع بشيء بعد ذلك، لأنه انتقل نقلة البذل في الله، ومن طبيعتها أنها لا رجوع فيها، بل لها توجه نحو الأمام فحسب، بلا التفات .

يتقدم لها غير وجل، ويقول غير آسف:

وأراني أسمو بسعيي ووعيي ~~~ عن جزاء من معدن الأرض، بخس

حسب نفسي من الجزاء شعوري ~~~~~ أنني في الإله أبذل نفسي

لكنها الأرض قد اهتزت وربت وأنبتت البهيج لما كان البذل ..

( الصفة العاشرة ) : قطع العلائق الدنيوية:

ولا عجب إن كررت هذه المواعظ ذم الدنيا واقتصرت علي أمور الدين، فإن الأكثرين قد شغلتهم الدنيا حتى صاروا بمسالكها خبراء، ولكنه الدين الدين، كما قال عطاء بن يسار:

( دينكم دينكم، لا أوصيكم بدنياكم، أنتم عليها حراص، وأنتم بها مستوصون) (3)

(1) صحيح البخاري 1 / 6

(2) صحيح البخاري 2 / 24

(3) الزهد للإمام أحمد / 317

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت