فيستحضر موت المعتد بن عباد رحمه الله، الذي حكم الأندلس دهرًا، كأعز ما تكون الملوك، ولما عزله المرابطون ونفوه إلى أقاصي مراكش ومات: ما زاد الناس في التنادي للصلاة على جنازته غير قولهم: (الصلاة على الغريب) (1) .
وللعاقل في ذلك عبرة، وذو القلب الحي يشعر بغربته في هذه الدنيا قبل النداء عليه، ويدرك أن:
الناس في هذه الدنيا على سفر ~~~ وعن قريب بهم ما ينقضي السفر
فمنهم قانع راض بعيشه ~~~~~~~ ومنهم موسر والقلب مفتقر
والنفس تشبع أحيانًا فيرجعها ~~~ نحو المجاعة حب العيش والبطر
... فيختار القناعة، ويرضى بغنى القلب، وقلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن، ولذلك يجب استمرار خوف أحدنا من بقية عمره، حذرًا أن يوسوس الشيطان له بنكوص، وهو الله وحده يثبت القلوب، ومن هنا كانت المحاسبة ركنًا أساسيًا في الاختيارات التربوية الإيمانية التي أرشدنا إليها الإمام البنا رحمه الله، وأوجب علينا:
(أن نحاسب أنفسنا على الماضي، وعلى المستقبل، من قبل أن تأتي ساعة الحساب، وإنها الآتية...
على الماضي: فندم علي الأخطاء، ونستقيل العثرات، ونقوم المعوج، ونستدرك ما فات، وفي الأجل بقية، وفي الوقت فسحة لهذا الاستدراك .
وعلي المستقبل: فنعبد له عدته، من القلب النقي، والسريرة الطيبة، والعمل الصالح، والعزيمة الماضية السباقة إلي الخيرات .
والمؤمن أبدا بين مخافتين: بين عاجل قد مضي لا يدري ما الله صانع فيه وبين آجل قد بقي لا يدرى ما الله قاض فيه ) (2)
( الصفة الثامنة ) : عزم التعاهد المبكر:
فإنه طريق الوفاء نحن فيه
وإنك بمجرد أن تكون داعية: تعادي
وإنه لقانون يبشر به ورقة بن نوفل نبينا صلي الله عليه وسلم فيقول:
( لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي )
عداوة تطلق لمروءة ورقة العنان فيقول:
( يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك)
(1) نفح الطيب 5/356.
(2) عن العدد الخاص من الدورة القديمة من مجلة الدعوة