الصفحة 330 من 373

وهو الذي كان عليه أكثر الصحابة، وأجيال الفتوح الأولى من التابعين، والذين أرسوا قواعد العلم منهم ومن أتباعهم، وعمر بن عبد العزيز وجماعته الذين جدوا الأمر، وأحمد بن حنبل ورهطه اللذين تصدوا للبدع، والمجاهدون من الفقهاء، والدعاة اللذين تركوا في مقاتلهم قصصًا فيها تذكرة لأولى الألباب.

لقد رصدوا أنفسهم للتأثير في الحياة، ولم تكن لهم آمال شخصية، ولذلك استطاعوا إعزاز الإسلام، فقبس لهم الإسلام من عزته.

وتملأ ميته مصعب بن عمير رضي الله عنه نفس الداعية موعظة حتى ليكاد أن يشرق باللقيمات قبل أن يقلقه التنعيم والبطر.

ففي صحيح البخاري: (أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه عنه أتى بطعام وكان صائمًا، فقال: قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، كفن في بردة، إن غطي رأسه: بدت رجلاه، وإن غطي رجلاه: بدا رأسه) قال الراوي: (وأراه قال وقتل حمزة وهو خير مني، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا. ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام ) (1) .

هكذا ميتة الفتى الذي كانت تدلله أمه وتلبسه ثوب الحرير مرة واحدة تستبدله بغيره إذا اتسخ، لا تغسله.

آمن لما عرف الحق فتجرد .

وبقلة يقتدون بتجرده تستطيع الدعوة أن تغير مجرى الحياة، ولكن الدعاة اليوم يطمعون، فيكسلون!

إن التحديات المنتصبة أمام الدعوة لكبيرة حقًا، والمعركة دائبة، ولا أمل إلا بإحياء السمت القديم الأول.

وتعجب حقًا لدعاة تراهم في كل بلد، يستطيعون الجلوس إلى بعضهم طويلًا، ويتبادلون التحاب، تغمرهم رحاب التآخي، والصراع من حولهم مستمر، ولو أنهم التقوا سراعا لقاء التناصح والتواصي، ثم نفروا يعملون الناس ويتجولون، لكان خيرًا لهم، ولكانت دعوتهم أظهر.

(الصفة السابعة) : رهبة موقف الموت:

(1) صحيح البخاري 2/93.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت