الصفحة 328 من 373

انظر: إنها لهفة السؤل، أي تفكيره العقلي فقط، لا تأمله الروحي القلبي.

لكنها عندنا هي حياة القلب والعقل معا، ولابد من امتزاج العواطف الإيمانية بالعقل الاتباعي، لا العقل الحر الأهواني، إلا ما يكون من العمل بإشارة العقل السليم لاكتشاف المصالح الكامنة في الأعمال لتكون دليلًا لنا إذا لم يكن هناك نص شرعي، وليس هو العقل الذي يتجاوز صحاح النصوص، فيتخبط.

وما زالت هذه الساحة مجال صراع منذ القرون الأولى، ومازال أمرنا يقوم على نقد العقلانية المعتزلية، وترك القياسات المفرطة المعطلة للأحاديث الصحيحة.

(الصفة الخامسة) : رفض التسلط الجاهلي:

فإن من لا يضبط نفسه: لا يؤثر في غيره ، وقد قال إقبال:

كل من في نفسه لا يحكم ~~~ هو في حكم سواه مرغم

... أي: يحكمه سواء رغمًا عنه، وكما أنه في النفس فهو في الحكم السياسي العام أيضًا، تحكمه الأحزاب، ومجاميع المغامرين، حتى ليجد السفيه ثغرة يلج منها فيتصدر، وذلك ما أخبرنا به النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتحدث عن علامات الساعة قائلا يصف شدة الانحراف:

(إنها ستأتي على الناس سنون خداعة: يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطلق فيها الرويبضة، قيل وما الرويبضة؟ قال: السفيه يتكلم في أمر العامة) (1) .

... وكم من رويبضة اليوم يقود، غفلة الشعب فقط هي التي أوصلته، يعطيه في الانتخاب الأصوات على غير ما هدى وبلا ميزان، أو يعزف عن العمل الجماعي المنظم فيؤسس السفيه عصابة ترفعه.

... والوعي إزاء هذه الفلتات وعيان: وعي رجل يعاتب الشعب، ويستنكر غفلته، ويقف عند مجرد التبكيت، ويدفق في محاسبة السذج، وتقريعهم، ويستعلى مستشفيًا، ويترك الجيل المخدوع في ورطته، منزويًا هو بوعيه، ويظل يردد من مقبعة مرة بعد مرة أن:

يا شعب لا تشك الشقاء ~~~ ولا تطل فيه نواحك

(1) حديث صحيح في مسند الإمام أحمد برقم 7899، بتحقيق أحمد محمد شاكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت