الصفحة 327 من 373

... فالاختيار إنما هو اختيار واحد، وقد تجنح النفس إلى اختيارات هابطة تزاحم هدفها السامي، إلا أن التقاء الهدفين محال، وسد الشاعر طريق التقائهما لما أخبرنا أن:

الهوى الدنيوي والهدف العلوي ~~~ في النفس ليس يلتقيان

... وهذه الحقيقة تدعونا إلى تجريد السير وتمحيض الإخلاص في نفوس الدعاة العاملين، وأن يتحرروا من كل الأطماع والشوائب، وأن يظل هذا التجرد يتعاظم فيهم حتى يصل إلى درجة التبتل في السحب، فيها لغيرهم الظل والماء والنسيم، وفيها لأنفسهم الطهارة والعلو والجمال، يثبتون للضعفاء أن غير الممكن ممكن بالفعل إذ لا يرى الناس في تركيب طباعهم إلا الإخلاص، وإن كان حرمانًا، وإلا المروءة، وإن كانت مشقة) (1) .

إن طريق الدعوة واحد لا يحتمل الشركة، وعلامة الداعية القائم لله ولنصره دينه بصدق: (أن يكون أنسه بالله تعالى، والغالب على قلبه،ك حلاوة الطاعة، إذ لا يخلو القلب عن حلاوة المحبة، إما محبة الدنيا، وغما محبة الله، وهما في القلب كالماء والهواء في القدح، فالماء إذا دخل: خرج الهواء، ولا يجتمعان، وكل من أنس بالله: اشتغل به ولم يشتغل بغيره، ولذلك قيل لبعضهم: إلى ماذا أفضى بهم الزهد؟ فقال: إلى الأنس بالله. فأما الأنس بالدنيا وبالله فلا يجتمعان ) (2) .

... (الصفة الرابعة) : امتزاج القلب والعقل:

فإن الإنسان هو هو: ساذج منخدع.

... والأهواء هي هي، كيدها لا يعظ البعض، فيأبون إلا تكرار التجربة، والسير في الدرب الهش. وقد خدعت هذه الأهواء الشاعر مع عمله بأنها استدرجت سلفًا له، وأخبر أنها ستظل تغرى اللاحقين، فرح يكشف الحقيقة، ويخفف من مراراتها بتوهمه لذة فيها يستطيبها، ويقول:

يا طيب أهواء ~~~ تغرى ولا تسلى

لم يغننى عنها ~~~ من سار من قبلى

كم موكب بعدى ~~~ في لهفة السؤال

يمشي على دربي ~~~ في مدرج الرمل!!

(1) وحي القلم 2/291.

(2) إحياء علوم الدين 4/241.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت