فالمنع طارئ، بعد ظهور إساءة أداء هذا الواجب، أو بعد تسارع الثقات إلى عجلة وتهور، أو نزوع أهل الأهواء إليه بلا شهادة الفقهاء، وسيبقى صواب العمل بهذا الرأي مشروطًا بشروط الموازنة المصلحية، وشأن كل واجب شرعي أن يوزن بهذا الميزان، فتسد الذرائع عند نشوء فساد مقترن بتنفيذ أمر واجب أو مندوب، وتحتمل عند ذاك المفسدة اليسيرة لدرء المفسدة الكبيرة، وأما تقويم ظلم الفاجر بفتوى العدول، وحيثما لا يقترب بمفسدة أكبر، فهو المذهب السلفي الأول المستفاد من مجموع الآيات والأحاديث، والقديم على قدمه، ما لم تصرفه الصوارف، ولا حاجة لتكلف التفتيش عن كفر من لا يحكم بما أنزل الله، بل شيوع ظلمه وتفريطه يكفي لتوليد القناعة بضرورة التغيير، عند المقدورة، دون تهور، وإن كان لا يزال له موضع قدم جانبي في أرض الإسلام الواسعة ولم يقف في أرض الكفر.
ولا تقل إن معرفة الفقيه أمر يصعب، وإن هناك من يدعي ذلك بلا جدارة، حتى أصبحت الصيحات مختلطة، بل تميز العدول كما ميزهم الأولون من السلف الصالح، بالفراسة والقراينة، وصاحب الأهواء يعرف بلحن القول، وما زال المتصدون كثرة، رضيت أم أبيت، فمنهم صادق وكاذب، وحركة الحياة ذائبة، تحركت أنت أم سكنت، ومحر كوها ناجح وفاشل، ولا ينفعك إلا نزواء حذرًا من الأشتباه والخطأ، بل يسعك أن تجتهد وترشح نفسك إن عرفت منها التجرد، وأنت فقيه نفسك، ولست بحاجة إلى تقليد أحد تكشف الأيام اغترارك به.
ويروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خرج على أصحابه رضي الله عنهم، فوجد جابرًا قد أجلسه قدر الخير بينهم ليحمله عنه فقه العمل ويمد صوته مبلغًا.
قال ابن تيمية: قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه:
(أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نضرب بهذا - يعني السيف - من خرج عن هذا - يعني المصحف - ) . (1)
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية، 35/365.