الصفحة 311 من 373

ولذلك فتح الإسلام باب الإيجابية الإصلاحية واسعا، فلم يشترط وقوع المتخبط في الكفر للإذن بنهيه، إذ ربما كان ذكيًا يتحاشى كلمة الكفر الصريحة، بل يكفي أن يقوم الدليل عند شهود من الفقهاء على أنه ظالم حائر فاجر، ليكون انتزاع الدور منه، وقد أقحم بعض الدعاة أنفسهم فيما لا يعنيهم وجلسوا قضاة، وألزموا أنفسهم ما لا يلزم، وكان يكفيهم أن يعلموا أن مجرد الفجور والحكم بغير ما أنزل الله إدانة تامة وإذنًا بالتقويم.

وكان من السلف أقوام يرون السيف، منهم المحدث الحسن بن صالح بن حي الكوفي، فضعفه البعض من أجل ذلك، فاعترض ابن حجر اعتراضًا قويًا، وقال: (قولهم: كان يرى السيف، يعني: كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور، وهذا مذهب للسلف قديم، لكن استقر الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى أشد منه، ففي وقعة الحرة، ووقعة ابن الأشعث، وغيرهما، عظة لمن تدبر، ومثل هذا الرأي لا يقدح في رجل قد ثبتت عدالته واشتهر بالحفظ والإتقان والورع التام) (1) .

وكان في الحسن بن حي هذا النوع تشيع لم يبلغ الغلو والرفض، بل كان يرى تقديم علي على عثمان في الخلافة لا على أبي بكر وعمر، رضي الله عنهم، وكأن اقتران مذهبه في السيف ببدعته الطفيفة هو الذي انطلق النقاد بتضعيفه مع علو كعبة في الصدق، وإلا تجويز اللجوء إلى السيف ليس عليه اعتراض، إذ كلام ابن حجر صريخ في أن المنع طارئ ويوجبه سد الذرائع لا النصوص، وإنما البأس هو في مشاركته بسيفه، من خلال الاستعمال الشيعي الجماعي للسيوف، فإذا لم تكن في فرقة الفرسان ثمة بدعة: كان زحفهم عبادة، إلا أن يكون هناك دم كثير يسفك أكثر مما يريقه الظالم خلال حكمه بأضعاف، فعندئذ يكون الانتظار لفرصة تغيير أخرى قليلة الدماء.

(1) تهذيب 2/288.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت