إن ضمور الفكر القيادى الاجتهادى الحر يكاد يكون مشكلة ملموسة أينما ذهبنا، فعدد الدعاة كثير، ولكن من يملك منهم الفكر القليل، ومعظم الدعاة يقلدون القيادة تقليدًا جامدًا، وينفذون تعليماتها حرفيا.
وقد يصح في بداية عمر التنظيم، أو أيام تخلخل الصف،ووجود الفتن، أن تعود الدعاة سمت تلقى الأمر والمسارعة إلى الطاعة، وتضيق عليهم مجال النقاش، خوفا من الجل والتخذيل، ولكن أيام الرخاء ينبغى أن تستغل لتعويدهم على إبداء المشورة، ليتأصل فيهم الفكر القيادى، وإلا فإن الدعوة إذا خسرت في المحن قادتها، بقتل أو سجن أو تهجير: كان الجيل القيادى الذى يأخذ محلهم ليقود لا يعرف كيف يشتق خطة تلائم الظرف الجديد، بل يجمد على الخطة الأولى.
وحتى التنفيذ هو فن قيادي، وليس مجرد حركات ميكانيكية جسدية، يخطئ من يظن غير ذلك، نعم، نحن لا ننفى أن توسيع دائرة تداول المعانى الخططية يؤدى إلى سلبيات مضرة يغتر معها بعض الأخوة غرورًا، ويخرجهم إلى شطط في التعامل مع أقرانهم وقياداتهم، ثم يؤدى بالتالى إلى تطاول لا يقلصه غير الحزم الصارم والإبعاد، ولكن إيجابيات هذا التوسيع تظل دائما أكبر ,افور، إذ سيترعرع وينمو الذهن المرن، الذى لا يجمد على حرفية القرارات والأوامر، بل يقارن ويقيس ويحلل، ويربط النتائج بمقدماتها، ويرى إمكانية التفريع، ويدرك أهمية الشرط الذى يرد كاستدراك على كل تعميم وإطلاق، ليتقدم بعد ذلك بمقترحاته من خلال تقارير ناقدة أو نقاش في المؤتمرات، ويكون عاملًا من عوامل تطور الخطة، أو مجهرًا يرصد الفرصة الكبرى أو الفرص الصغرى.
أما المقارنة فهى بين الأمور التى يطلب منها تنفيذها، وبين ظرفه وواقعه، فيكتشف بها ما إذا كانت هناك ضرورة لتعديل يقترحه.
وأما القياس، والتفريع، فجوهرهما: اقتباس المماثل والقريب واشتقاق ما يناسب الظرف المتجدد من الأمر القديم، أو من خطط بلاد أخرى.