( اعلم أن الله عز وجل أخرج آدم عليه السلام من التراب، وأخرج ذريته من سلالة من طين ومن ماء دافق، فأخرجهم من الأصلاب إلى الأرحام، ومنها إلى الدنيا، ثم إلى القبر، ثم إلى العرض، ثم إلى الجنة أو إلى النار. فبهذا مبدؤهم، وهذه غايتهم، وهذه منازلهم، وخلق الدنيا زادًا للميعاد ليتناول منها ما يصلح للتزود، فلو تناولوها بالعدل لانقطعت الخصومات وتعطل الفقهاء، ولكنهم تناولوها بالشهوات، فتولدت منها الخصومات، فمست الحاجة إلى سلطان يسوسهم، واحتاج السلطان إلى قانون يسوسهم به، فالفقيه هو العالم بقانون السياسة وطريق التوسط بين الخلق إذا تنازعوا بحكم الشهوات، فكان الفقيه معلم السلطان ومرشده إلى طريق سياسة الخلق وضبطهم، لينتظم باستقامتهم أمورهم في الدنيا، ولعمرى إنه متعلق أيضًا بالدين، لكن لا بنفسه بل بواسطة الدنيا، فإن الدنيا مزرعة الآخرة، ولا يتم الدين إلا بالدنيا، والملك والدين توأمان، فالدين أصل، والسلطان حارس، وما لا أصل له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع، ولا يتم الملك والضبط إلا بالسلطان ) .
وإنما يستطرد الغزالى استطراده الأول لبيان اعتماد الفقه السياسى الإسلامى على أسس العقيدة، وارتباط مهمة السلطة بمهمة العبادة التى خلق الله تعالى لأجلها الخلق، وليست إشارته إلى تعطل الفقهاء إذا ساد العدل إشارة أسف لفوات مهمة يرتزقون منها، ولكنه لفظ تستسيغه لغة القدماء، ولا يأباه ذوقهم التعبيرى، هجرته الأساليب الحديث، فبدا غريبًا.
مدارج الانفتاح هى مراقى الصراع