وهم لا يملكون السكوت، وأن يتركوا ما لله لله، وما لقيصر لقيصر، لأنهم يفهمون أن الإسلام رحمة مهداة شاملة، صفته الكمال والتكامل، ولا يمكن أن تصان عبادات الناس إلا بحاكم متعبد مثلهم يفهم عبادتهم كما يفهمونها، كما أن أخلاقه تفترض خلفية من العدل وأنواعًا من العلاقات كى توجد وتنمو، وطريق ذلك السياسة، بما تعتمد من أمر مهيب، وتربية تقنع، ولذلك يدخل الدعاة أبواب السياسة، في غير ما طمع بمناصبها، وبهرجها، وإنما تكميلًا للنقص. وقد صاغ أبو حيان التوحيدى ميزانًا لهم آخر في ذلك، فقال:
(إن الشريعة متى خلت من السياسة: كانت ناقصة.
والسياسة متى عريت من الشريعة: كانت ناقصة) (1)
فمن آمن من الحاكمين أو السائرين إلى حكم بمثل ما أمن به الدعاة فقد اهتدى، وإن تولوا فإنما هم في شقاق هم بدأوه، وسيكفى الله الدعاة أذاهم، كما أذن لهم بكف الأذى.
مناهضة الشعوبية عبادة
بهذه البساطة يرى دعاة الإسلام حقهم على جميع الحاكمين اليوم في أن يفسحوا مجال العمل للحركات الإسلامية، وأن يعطوا لفكرها وصحافتها حرية التواجد والتعبير، ولنواب الأمة وممثليها حرية الانتخاب والاجتماع والبحث، تشبهًا بالأعراف العالمية إن لم يكن إيمانًا بشورى الإسلام، فإنهم والكافرين قد اشتركوا في اتباع الرأى العقلى، فكانوا أقرب منهم في هذا إلى الصواب، ولو أنهم فعلوا ذلك لقضوا على أساس أى تفكير بصراع، ولأغنت الوسائل الحرة في ترويج كل ذى منهج لمبادئه، ولكن الحاكمين يتعسفون.
(1) الإمتاع والمؤانسة 2 / 33