فإن قلوب البعض قد علاها ران وصدأ ، لطول الانتظار ، فمالت إلى ترف ، ولفتها رهبة ، ولابد من جليها بأدب حماسى ورقائق زهدية ، عمدتها الحديث الصحيح وكلام الثقات ، دون الضعيف والموضوع وتكلفات أهل الابتداع ، فإن هذه الخطط تمنيات بعيدة لها سيماء الأحلام ، وما لم ننطلق لذلك من منطق زهاد المتصوفة ، بل لأن هذا العمل الجبار الذى نحن بصدده يقتضى التقلل .
وفى أنواع البذل خيار ، والتمتع بالمال والطيبات حلال ، ولكن النصر رهن بوجود ثلة فداء من بين الدعاة ، ويكفى أن تكون مفرزة صغيرة ، تسل نفسها من المباح الذى رضيه جمهور الدعاة لأنفسهم ، وتطفق تتخفف ، على طريقة النساك الخشن ، لولا أناقة ملبسها ، أو كأنها من البدو الرحل ، لولا عيشها في المدن والحواضر ثم تتخفف ثانية ، حتى لا يكون دون منزلتها إلا أبناء السبيل .
وقد لا يقوى على الانتساب لهذه الثلة متورط بتربية أولاد ، ولكن يقوى عليها شباب أحرار لم يتطأطأوا لثقل الالتزامات العائلية بعد ، أو آخرون قدماء ، وفوا بالتزاماتهم ، وأدوا ما عليهم لأبنائهم ، ومتعوا نساءهم ، حتى أذن لهم أن يضعوا على عواتقهم عصا التسيار ، وأن ينسوا حساب الدرهم والدينار ، فهم خارجون من الأسر ، وما ثم حرج عليهم في اختيار الفقر .
هكذا ، بهذه النشريات ، وبهؤلاء القدورات ، يكون الجد ، ونقطع هذا التثاقل ، ونربى نموذج الداعية الهائم الراكض إلى الجنة ، الذى يكون جلوسه وقيامه كله لخدمة الإسلام .
إن القدوات لا تصطنع ، بل هم موفقون يلهمهم الله الاستعلاء إلهامًا ، ولكن على القيادات إذا رأت موفقًا أن لا تبعثر كفاءته بإداريات ، بل تنزله يعايش الشباب يعلمهم عشق الجنة ، وقد يعدل إنتاج القدوة الواحد الرفيع المستوى إنتاج رهط من المربين وأثر رزمة من الكتب المنهجية .