الصفحة 238 من 373

نعم ، لابد للدعاة من طموح يؤدى بهم إلى أن يذهبوا في آمالهم إلى أبعاد سحيقة في التفكير النظرى ، وعليهم أن يوجدوا القدرات التنفيذية للسير فعلا إلى مكان مرمى أنظارهم البعيد الذىبلغته ، فإن من لا يرى إلا المكان الذى يقف فيه، وإلا اليوم الذى يعيش فيه: يسبقه السابقون ، إذ الحياة كلها طموح ، وربما يكون الكافر أبعد طموحًا ، وأبلغ منافسة، ولربما نجد حلول بعض مشاكلنا من خلال قذف أنفسنا في معمعتها والتصدى لاختبار حلولها المحتملة، وعندئذ فإن روح المجابهه لها وجهًا لوجه ، وروح التحدى فينا لسبب المشكلة، كفيلتان بالوصول إلى الحل اللائق وحصول بعض هذا الحل-إن لم يحصل حل كامل- خير من أن تلفنا سلبية الإحجام عن تجريب حلها .

ولابن الجوزى كلام لطيف يحوم فيه حول هذا المعنى، إذ أعجبه:

( من الصفوة أقوام مذ تيقظوا ما ناموا، ومذ سلكوا ما وقفوا. فهمهم: صعود وترق . كلما عبروا مقامًا إلى مقام: رأوا نقص ما كانوا فيه ، فاستغفروا )

ولهذه الألفاظ قيمة كبيرة عند اللبيب المجرب ، إذ لا ينبغى للمؤمن أن يقنع بما حاز من الخير، بل هو أبدا في سير، وكلما وصل بجده وسعيه إلى مكان جديد ورأى المكان السابق الذى كان يقف فيه: أدرك تخلفه الأول، فيأسف، لم لم يسرع ؟ ولم لم يكتشف هذه اللذة مبكرًا ، وقد استخدم ابن الجوزى كلمتين لطيفتين لوصف المؤمن: الصعود ، والترقى ، والدعوة الجامعة أولى بمثل هذا الصعود .

إن أحدًا لو أراد صعود جبل عال وعر فإنه لا يجازف دون تأمل وتحضير، بل يظل مدة يحاول تعيين الطريق الذى يبدو له أنه أقرب وأسهل، ويتزود بخارطة ومعدات ، وماء وطعام، وينتظر انقضاء الشتاء. وكذلك أمر الدعوة، إذ لابد لها من رؤية سابقة للمكان الذى تريد أن تتقدم إليه، ولا بد لها من رصد المناخ الملائم، وإلا كان تقدمها مغامرة .

حوار الحكماء لا تقطعه رنة النياحة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت