هكذا، شرط رفضه على، وقبله عثمان، وفى الرفض والقبول دليل على أن القائد قد يشترط توسيع صلاحيته أو يتناول عن بعض حيته وحقه، وإذا مال الأتباع إلى تضييق مجال القائد ولم يمل معهم القائد إلى الذى مالوا إليه فإن طريقة إلى رفع الحرج عن نفسه يكون بما كان من على رضى الله عنه، فيرفض تسلم القيادة وتحمل التبعة، وذلك سائغ في الأحوال التى فيها سعة، ولا إثم عليه إن شاء الله، لكونه متأولًا، إلا إذا كان الحال لا يصلح إلا بوجوده، ويترجح حصول الفتن أو الوهن باعتزاله. فإن بعض الإثم قد يلحقه والله أعلم، ومعانى المروءة تخاطبه بالتنازل ع بعض شروطه، أو تخاطب الأتباع، تندب لهم الحرص على توليه هذا القائد بالتنازل عن بعض شروطهم وتوسيع حريته، وإذا تحرى الطرفان مصلحة الدعوة لم يعسر عليهما الاتفاق الوسط.
إن الأمر أمرنا، وقد ترك الشرع للقائد وللأتباع حرية في الاشتراط، إذ إن الأصل في الأمور الإباحة، وليس هناك نص يمنع، والاستشهاد بهذه القصة مهم، فوق أن الركوب إلى مذهب في الشورى ليس بابًا من العقيدة والتعبد، وإنما هو باب تقرره مقادير وأنواع المصالح التى يوفرها كل مذهب، ويكون تطبيقه على ضوء قاعدة سد الذرائع.
بيد أن اعتقادنا نسبية الشورى لا يمنعنا من التصريح بأن التجارب الوافرة التى مرت بها الحركات الإسلامية الحديثة ترجح جانب وجوب الاستشارة، وأولويتها، وتدعو إلى أن تشارك الأديب الثقة أبا حيان التوحيدى في اعتقاده أن:
(المستعين أحزم من المستبد ، ومن تفرد لم يكمل، ومن شاور لم ينقص .
هذه هى المسألة الرئيسية، فإن من تفرد لم يكمل، وسبحان الله الذى خلق كل بشر عن الكمال ناقصًا كما أن من شاور لم ينقص ، فإن قوة الرأى والحجة إذا توفرت عند القائد: فرضت نفسها .
ولهذا كان أبو بكر رضى الله عنه يمنع التفرد ويقول: