لابد من وضوح إحدى الطريقتين في النظام، ولا يجوز التعمية، فإنها تسبب الفتن. ونحن نميل إلى جعل حكم الشورى نسبيًا يصح فيه الإلزام والإعلام، بحسب البلد الذى تطبق فيه، ومعادن الرجال، والمرحلة، واليسر أو العسر، والمحبة أو الشقاق.
ودليلنا على ذلك كامن في قصة بيعة الخليفة الراشد الثالث رضى الله عنه، وهو دليل غفل عنه جميع من كتب في مسائل الشورى مع أنه من أوضح الأدلة على فهم السلف للمعنى النسبى الذى نذهب إليه، ففى صحيح البخارى أن عبد الرحمن بن عوف لما صار حكمًا بين بقية الستة الذين جعل عمر بن الخطاب رضى الله عنه وعنهم فيهم أمر الخلافة ثم استقرار رأيه على مبايعة عثمان بن عفان رضى الله عنه قال لعثمان:
(أبايعك على سنة الله ورسوله. والخليفتين من بعده. فبايعه عبد الرحمن، وبايعه الناس: المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون)
قال الحافظ ابن حجر: ( وأخرج الذهلى في الزهريات وابن عساكر في ترجمة عثمان من طريقة، ثم من رواية عمران بن عبد العزيز، عن محمد بن عبد العزيز بن عمر الزهرى، عن الزهرى، عن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، عن أبيه قال: كنت أعلم الناس بأمر الشورى، لأنى كنت رسول عبد الرحمن بن عوف، فذكر القصة، وفى آخرها: فقال: هل أنت يا على مبايعى إن وليتك هذا الأمر على سنة الله وسنة رسوله وسنة الماضين قبل؟ قال:لا، ولكن على طاقتى، فأعادها ثلاثًا، فقال عثمان: أنا يا أبا محمد أبايعك على ذلك، قالها ثلاثا، فقام عبد الرحمن، واعتم، ولبس السيف فدخل المسجد ثم رقى المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم أشار إلى عثمان فبايعه) .