الصفحة 215 من 373

وليس يضيرنا ما نجده من اختلاف الفقهاء والباحثين تجاه حكم الشورى ن فإن بعضهم لم يصرح بوجوبها ، ولم يتجاوز ابن القيم اعتبارها من المستحبات ، ففى معرض كلامه عن بعض ما في قصة الحديبية من الفوائد الفقهية قال: (ومنها استحباب مشورة الإمام رعيته وجيشه ، استخراجًا لوجه الرأى ، واستطابة لنفوسهم ، وأمنًا لعتبهم ، وتعرضًا لمصلحة يختص بعلمها بعضهم دون بعض ، وامتثالًا لأمر الرب في قوله تعالى: وشاورهم في الأمر ) (1) . ولغيره من الفقهاء ، منحى مقارب له ، وفى كلام بعض دعاة هذا العصر أيضًا.

إلا أن جمهرة أخرى مقابلة تصرح بالوجوب ، وأقوالها مشهورة ، ترى وجوب المشاورة ، ثم وجوب نزول الإمام أو القائد عند قول الأكثرية ، أنها ملزمة ليست معلمة فقط .

ومال الأستاذ عبد الكريم زيدان فى (أصول الدعوة) إلى القول بعدم إزامها للقائد الحركى ، وفى (الفرد والدولة في الشريعة الإسلامية) إلى إلزامها للإمام الحاكم ، في شبه تعارض ، ولكنه أراد أن عمل الدعوات تغلب عليه الظروف الصعبة ، ويتطلب سيرة منضبطة وحزمًا زائدًا قد يثلمه الإلزام ويكون معه الارتخاء ، بينما يكون للدول سعة وهيمنة وهيبة وظروف حسنة تساعد على الإلزام وتجعله أحوط .

وعلى كل فإن لكل فقيه حقًا في الميل إلى أحد الرأيين حسبما يظهر له من معانى الأدلة ، ولسنا نميل إلى القول باطراد الإلزام في الشورى ، ولا بإطراد عدم الإلزام ، وإنما نرى أن المؤمنين عند شروطهم ، ولكل حركة أن تدرس في كل مرحلة أى حاجتيها أكبر: حاجتها إلى الرأى ، أم حاجتها إلى الحزم ؟ فتتخذ ما يناسب مصلحتها ، وتودع قرارها مادة في النظام الداخلى واضحة تكون البيعة وفقها ، وتودى قرارها مادة في النظام الداخلى واضحة تكون البيعة وفقها ، وللقائد أن يشترط لنفسه شروطًا إن كان يرى عدم تجاوز مجرد الإعلام ، في غير ما هوى ، واعظًا نفسه بمعانى التقوى .

(1) زاد المعاد 2/127

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت