ولكن المبالغة في تقدير قوة الأعداء قد تحول الإيجاب الصاعد المبتغى إلى سلب انهزامي نازل، وقد أحس الأستاذ الدكتور جعفر إدريس التحذير من التطرف في ذلك، وكان لسيد قطب رحمه الله تشجيع متكرر للمسلمين على النهوض بوجه الباطل مهما كانت سطوته ، فإن عوامل ضعفه كامنة في أصل كيانه ، والدعاية الواسعة التى يحيط بها نفسه كاذبة يبتغى بها إرهاب نفوس من لا يفطنون الى ما في الحق من قوة ذاتية وإن قل أنصاره وسلاحه وماله ، وإنما ذلك إلقاء الشيطان.
"إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين"
( إن الشيطان هو الذى يضخم من شأن أوليائه ، ويلبسهم لباس القوة والقدرة ، ويوقع في القلوب: أنهم ذوو حول وطول ، وأنهم يملكون النفع والضر ، وذلك ليقضى بهم لباناته وأغراضه ، وليحقق بهم الشر في الأرض والفساد ، وليخضع لهم الرقاب ويطوع لهم القلوب ، فلا يرتفع في وجوههم صوت بالإنكار ، ولا يفكر أحد في الانتقاض عليهم ، ودفعهم عن الشر والفساد.
والشيطان صاحب مصلحة في أن ينتفش الباطل ، وأن يتضخم الشر ، وأن يتبدى قويا قادرًا بطاشًا جبارًا ، لا تقف في وجهه معارضة ، ولا يصمد له مدافع ، ولا يغلبه من المعارضين غالب . إن الشيطان صاحب مصلحة في أن يبدو الأمر هكذا ، فتحت ستار الخوف والرهبة ، وفى ظل الإرهاب والبطش:يفعل أولياؤه في الأرض ما يقر عينه .يقلبون المعروف منكرًا ، والمنكر معروفًا ، وينشرون الفساد والباطل والضلال، ويخفتون صوت الحق والعدل، ويقيمون أنفسهم آلهة في الأرض تحمى الشر وتقتل الخير، دون أن يجرؤ أحد على مناهضتهم والوقوف في وجههم، ومطاردتهم وطردهم من مكان القيادة. بل دون أن يجرؤ أحد على تزييف الباطل الذى يروجون له، وجلاء الحق الذى يطمسونه.