أما حين يتقادم عهد التنظيم وتكون له بعض القوة فإنه يبدأ مرحلة مراهقة صعبة ، إذ تكثر المواقف تجاه الأحداث والحكومات والأحزاب ، فتتعدد الاجتهادات ، ويأتى احتمال الخلاف في ثنايا هذا التعدد . كما أن اتساع المجموعة يبوز رؤوسًا قيادية متعددة أيضًا ، بحكم مركزها التنظيمى ، أو بحكم قابلياتها العالية التى تشد قلوب الآخرين إلى تبعيتها ، ومع هذا التعدد احتمالات لخلافات أخرى ، مبعثها الاجتهاد المتباين أو الغرور وروح التزعم ، كما أن الترغيب إذا اقترب تكون همسته الخافتة في الأذن أقوى من ندائه العالى عن بعد .
والعلاج يكمن في أن تتوقع القيادات هذه الصعوبات منذ البداية ، وأن لا تبنى أمرها على وداعة تراها تغمر سنوات العمل الأولى ، بل تشرع في تربية تقلل الخلاف المحتمل وفى توعية تضعف أسبابه ، وأما القضاء عليه وعلى أسبابه فنحسبه مستحيلا .
وكأن أسباب الفتن تتقاسمها طبيعتان:
طبيعة النفس: بغرورها وكبرها وتطلعها للصدارة وحبها للجدل واحتكامها إلى الهوى ، وتتكفل المواعظ بدرء هذه الأسباب ، ولعل في النداء المرفوع لاجتياز (العوائق) ما يكفى للاحتياط تجاهها ، وفى كل موعظة سبقته أو تلحقه بركة .
ثم طبيعة الأحكام الضابطة للعلاقات التنظيمية: والمفروض أن نحاول إبعاد هذه الأحكام عن الجمود وجعلها ذات مرونة كافية تسمح بيعض التنازلات القيادية من أجل فسح المجال لبقاء العنصر المخالف في رحاب التنظيم مطيعا ، أو في رحاب المودى محبا.
وليس هناك حصر للأنواع المناسبة لدرء الفت من هذه الأحكام، ولكن التفرس في تاريخ الجماعة ورؤية الخط البيانى لسيرة أكثر من داعية يرينا أمثلة منها لا دليل على وجوبها غير الفراسة وحديث القلب.
فمن ذلك: قبول استقالة الداعية المسؤول إذا طلب إعفاءه من المسؤولية المناطة به، لئلا يكون في إرغامه حرج عليه يولد هاجسًا يراوده يسوغ له العصيان.