... * فمن ذلك: قاعدة التأول، وهى من القواعد الفقهية الصحيحة التى سددت أبوابًا من الأذى، أن تتأول للمخطئ، وأنه ضحية شبهة غير متعمد، مجتهد غير منحرف، ركبنه ساعة غفلة غير مبيت للأمر، ولقد اقتتل الصحابة رضى الله عنهم فتأولوا لهم، والقضاة يجتهدون في درء الحدود بالشبهات، واحتاطوا لأبعد الاحتياط في تكفير المسلم ما لم يكن قد أتى أمرًا لا يمكن صرفه عن معنى الكفر، وأشياء من هذا الجنس تجعل تأنيك ورفقك ليس بغريب على الحس الفقهى.
... * ومن ذلك: ترك مجال التوبة لمرتكب الإثم، وفتح باب الأوبة للمخالف، لكنك إن قطعت كل الجسور التى بينك وبينه: ملكه اليأس، أو حَكَمه الانتصار للنفس، فاترك له معبرًا ما أمكنك.
... *ومن ذلك: سد الذريعة، فإن النصوص الشرعية تندب لبعض الخير يتعطل العمل بها في حالة تولد ضرر عنها، والقرارات التنفيذية في الجماعة المسلمة العاملة شانها أهون في وضوح لا يحتاج إلى جدل وإتيان ببرهان، ولربما أدى الجمود في تطبيقها إلى ضرر لم يكن مقصودًا حين اتخاذها. وعلى الداعية أن ينبه مسؤولية إلى استثناء الحالات الخاصة، وأن يجذب اللجام، لا يرخية، ألا تسبق حماسته حماسة قادته.
... * ومن ذلك: جواز الجمع بين المصلحتين والخيرين، فتقرن بين مصلحة الجماعة في إخراج المخالف عن صفها، حفاظًا لوحدتها ابتعادًا عن جدل يعوق تسارع انطلاقتها، وبين مصلحة المخالف في احتمال أوبته إذا رفقت به وأصغيتٍ لبعض الق الذى معه، مما أساء التعبير عنه وجنح عن الصواب إذ ابتغى الدلالة عليه.
إننا قد ننسى البديهيات أحيانًا في غمرة التفتيش عما يحل المعضلات، حتى لنكادج نجهل منطق الجمع بين المصالح في زحمة البحث مع الفقهاء عن المخرج عند تعرضها.
فى التجارب علم مستأنف
... فذلك خبر سكينة القلب في الصدر الواسع، وبها يؤذن لداعية الإسلام أن يفهم تجربة سلفه، ليطورها، ويدفعها إلى خلف ينتظر.