الصفحة 17 من 373

... إن الاعتداء عليك قد يحفزك لرد بمثل، فتحوم حول طلب الانتصار لنفسك وتتعالى كبرياؤك، ولكن تذكرك انتفاء العصمة عن جملة البشر تُسرع بك إلى الإبطاء، فإن لم تفعل: رجع بصرك إلى التحديق نحو هذه البديهية الشاخصة له كرتين، فينقلب القلب راعشًا، ثم مذعنًا لصدق الحقيقة، بعد إذ أبى سكون الإقرار لمنطق الفضل.

حكمة الدعاة وعدل القضاة … معًا

... وآداب الشرع من بعد الفطرة والبديهة تضيق عليك وتحدو بك نحو إتمام، بل الأمر صريح أن (أقيلوا ذوى الهيئات عثراتهم) (1) .

... ولذلك استثناهم الشافعى أن تسرى عليهم بسبب عشرة يعثرونها عقوبة تعزيزية يقدرها القضاة.

(وحكى الماوردى في ذوى الهيئات وجهين:

أحدهما: أنهم أصحاب الصغائر، دون الكبائر.

والثانى: أنهم الذين إذا أتوا الذنب ندموا عليه وتابوا منه.

ونص الشافعى على أنهم الذين لا يعرفون بالشر) (2)

... وتفسير الشافعى أقرب إلى مقصود الحديث دون شك، وشروط الانضمام إلى صفوف الدعوة، أو شروط قبول إعانة المعين، قد تجاوزت مجرد هذا الستر وشهرة الخير إلى حالة من اجتماع طبائع المرؤة، ورفعة الهمة، ونبل المقاصد، والإقالة لمثل هؤلاء أولى وأوجب.

... أم تريد أن ينجو الأشراف من تعزيز القضاة ليكسر نفوسهم تعزيز الدعاة؟

... إن الغلظة لم يشر عليك بها الناصحون المعاملة مثل هؤلاء الذين تدلك فراستك أنهم قد يتوبون من قريب، لكنها الرد المناسب لأنفار يقعون في هاوية الفتنة، فما يزالون في وساوسهم من بعد، حتى يخرجوا إلى (تقبيح المحاسن، وصدع الملتئم، وحل المعقود) وحتى هؤلاء ليسوا سواء، وعليك أن تنبه لنفسك، فتعتدل إذا دعتك الحماسة لتطرف في التعامل مع المخالف، ما لم يكن ملحاحًا جريئًا في الهجوم، إذ الاعتدال يوجبه اكثر من نظر فقهى واحد.

(1) صحيح الجامع الصغير للألبانى 1/382.

(2) الأشباه والنظائر للسيوطى / 517.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت