* ومراحل الدعوة الإسلامية في كل بلد تصبغ أجيالها كذلك بسجايا وأنماط سلوكية خاصة، فالرواد المؤسسون غير الذين يأتون بعدهم، وجيل المرحلة السرية غير جيل الانفتاح العلني، ومن تجابهه فتنة مع أول توجهه غير غراس أيام التحاب والصفاء، وذلك سلب ثالث يثلم الوحدة.
لهذه الأسباب الثلاثة كان لابد من توفير بعض الجهود الجماعية لصرفها في عملية داخلية مستمرة غايتها: التقريب بين المستويات التربوية لمجموع الدعاة، وهى عملية متشعبة أساسها: تحديد عناصر الأصالة في شخصية الداعية المسلم وعناصر التجويد والتحسين، وجعلهما مقياسا عاما تشذب وفقه الزيادات، وينحت كل فضول ونتوء وتكلف في الأفكار والنفسيات والأذواق، وحتى في اللغة والاصطلاحات وطرائق التعبير، وذلك عن طريق المناهج أولا، والتعايش المتداخل والامتزاج ثانيا.
فكما أن التوحيد الاستدراكى الأول كان ديدنه: إذابة الاجتهادات الفردية في الخطط والأساليب، فإن هذا التوحيد الثانى واجبه: إذابة النزعات الخاصة وتطرفات السلوك، مثلما هو تكميل لنقص كل ناقص، على اختلاف أنواع نقصه.
وقد لا يرى بعض الدعاة مثل هذا التباين في بعض البلاد فينكرون احتمال وجوده، وليس الأمر كما يظنون، بل معنى ذلك أن توحيد قد مارسته القيادة فولد التقارب، وأنتج المحاسن، ولا نفترض في كلامنا أن يصف الواقع حتما ويقترح لعلاجه جديدا،بل نذكر الاحتمالات والسلبيات، إذ قد يمارس الداعية علاجها تلقيا وراثيا وتقليدا دون أن يفطن للتعليل والأسباب، وذلك عيب ولا شك، إذا ربما يطرأ عليه الفتور فيه لعدم رؤيته حكمة الأعراف التى نشأ في ظلها ودرج عليها، كأمي يرث عن أبيه أوراق علم وشعر لا يعرف قيمتها، فيهملها، فتتلف، وربما باعها بثمن بخس لمتأدب ينوى السرقة منها، بل أحيانا لبقال يلف بها للمشترين البضاعة وقد تعب في تدوينها أبوه، وسهر الليالى.