الصفحة 153 من 373

فالبلد المترامي الأطراف تكثر فيه القرى والمدن الصغيرة، حيث تكون الحركة الفكرية والتحدي الثقافي والصراع السياسي أقل وضوحًا مما عليه الأمر في العاصمة والمدن الكبيرة، وتلف الناس فيها حياة باردة رتيبة يقل فيها التنافس، ويتحدد فيها التفاعل مع المحيط، ليست كحياة المركز الساخنة المليئة بالحوادث المتجددة المفاجئة، وتنعكس هذه الفروق على الدعاة، فيكون من يتربى منهم في الزحام أوعى وأعرف بالأفكار الحديثة، وأوفر تجربة ومهارة، وأكثف تحركًا، وعلى حذر من الخصوم، وهو أبعد عن البدعة وإن لم يتوسع علمه الشرعي، بينما يكون ربيب الهدوء أصفى قلبًا وأرق عاطفة، وربما يكون علمه الشرعي أوسع وإن مازحته البدع، وأخلاقه الطبيعية أجود، والحكم للعموم، ولكل ظاهرة من يشذ عناه، عنها ومثل هذا التباين في المستويات يعتبر عاملا سلبيا يؤدى إلى ضعف الوحدة التنظيمية أو عرقلة الخطوات التنفيذية.

* ومن زاوية أخرى فإن التطور السياسى والاجتماعى العام في البلد يجعل كل مرحلة منه تعكس بعض طبائعها على جيل الشباب الذى عاصرها، على اختلاف مذاهبهم الحزبية والفكرية، مسلمهم وجاهلهم، ودعاة الإسلام الذين يعاصرون كل مرحلة تكون لهم نفسية معينة يشتركون فيها، وتكون اهتماماتهم متقاربة، ومشاربهم وأذواقهم، وربما حتى اصطلاحاتهم وطرائق تعبيرهم، فجيل الثورة الجزائرية غير الجيل الذى نشأ بعدها، وجيل ما قبل انقلابى 23 يوليو و 14 تموز غير الأجيال الحاضرة في مصر والعراق، وجيل النعمة وبقايا الحريات غير جيل العسر الاشتراكى والتهجير في سوريا وكثير من البلاد، وجيل ما قبل نكسة 1967 غير جيل ما بعدها في كل العالم العربى، بل المراحل الأخيرة أضيق من ذلك، حتى لتكاد تكون كل بضع سنوات قليلة مرحلة متميزة بتأثيراتها، وهذا الاختلاف هو بدوره من العوامل السلبية أيضا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت