... ويقابل هذا التوسع: تضييق نضطر إليه إذا جاء أحد الدعاة بغرائب تخالف ما عليه جمهور الفقهاء، وكان ديدنه تتبع شواذ المسائل والأقوال، فإن إثارة مثل هذه المسائل تفسد الصف وتلهبه، وتوهن العزائم وترخيها.
مختبر فيزياء.. لا بلاط ملوك
ونعود إلى التذكير بأن هذه الإثارة للأفكار وتمكين الدعوة من الاستفادة من العقلية الجماعية لا يمكن أن توجد من العدم، وبنداء للأعضاء يحثهم على التفكير والاقتراح، بل لا بد من نواة تتجمع حولها الأفكار، وتستقطب الآراء وتتراكم عليها، كمثل ظواهر الفيزياء، فإن الإلكترون يمر وسط بخار الماء غير المنظور في الوعاء المغلق، فتتجمع حوله جزيئات الماء، فيبدو مساره واضحًا، وجعل الله تعالى من الماء كل شيء حي وكل مثال صائب. وغالبًا ما تكون هذه النواة هي مشروع خطة، وعلى القيادات أن تكون شجاعة في عرض آرائها من أجل ذلك، فإنه بدون هذه الشجاعة تبقي الاجتهادات متباينة والمفاهيم مشتتة، وعندئذ تحرم الدعوة من الصيحة الواحدة والنهوض الواحد، بل يوم ينهض جناح ويقوم في عزمة عمل: يكون الآخر غلافًا أو متكاسلًا أو موسوسًا.
... ماذا يكون لو تبين أن القيادة كانت مخطئة؟
... ثم ماذا؟
... إن البعض ينظر بمنظار ساذج، ويوجب أن تكون القيادة مصونة وكأنها ذات قدسية، ولذلك يبعدها عن الاجتهاد ومسببات النقد، وما ذاك بصواب، ولسنا نعرف طبائع الملوك، بل علينا أن نفهم أن القائد يخطئ ويصيب، وأن عدوله عن الخطأ هو في ذاته أرفع سمو وأعلاه، وأن يكون ذلك من البديهيات الشائعة التي تضبط ردود الفعل النفسية فينا عند إقرار قائد بخطئه إذ لو جاء من الناقدين له يقود لوقع في خطأ آخر، وذلك ديدن البشر.
الاستطراق التربوي
... وهناك استدراك ثان وعلاج لسلبية أخرى من سلبيات التوسع التجميعي يتمثل في: توحيد المستويات التربوية أو التقريب بينها.