(الحقيقة التاسعة) : ولا بد أن نميز بين نظرتين هاهنا ونرى الفارق بينهما: نظرة إلى هذه الاجتهادات الفردية على أنها مقدمات أو ذبول فتنة، فتحاول القيادة إزالتها بحملة وقتية كعلاج لإشكال طارئ، وهي نظرة صائبة إذا دعت الحاجة لها، ولكنها ليست المقصودة في كلامنا هذا، بل نقصد نظرة استثمارية دائمة للطاقات والاجتهادات المدفونة في صدور الدعاة، عليها اكتشافها واستخراجها، وتوحيدها، وعلى ذلك فلا يسوغ أن ننظر لهذه العملية بالمنظار ونعتبرها مجرد معالجة فتنة، بل هي باب من الخير أوسع من ذلك بكثير، من شأنه - إذا فتح - أن يدفع هواجس الفتن ابتداء، ويمنع تكون الجيوب، ولا يصح أن يقتصر مدلول الإذابة على إقناع الدعاة بخطأ اجتهاداتهم والتنازل عنها واعتناق الاجتهادات القيادية، بل من مدلولها أيضًا تبني القيادات لاجتهادات الدعاة المعتدلة وإضافة الصفة الجماعية عليها، فتصبح رأيًا عامًا شائعًا بعدما كانت قناعة فردية مهددة بالتحول في استخفاء إلى تطرف ناشز وشذوذ جاف.
... (الحقيقة العاشرة) : ويظن البعض أن هذه النظرات تتعارض مع ما في مقالة زمرة القلب الواحد) من التوصية بعد الخطة على العدد الكبير حذرًا من اختلاط الأصوات، وليس الأمر كذلك، فإن الحذر قائم في المسائل التي تحتاج إلى مقدار زائد من الحزم وسرعة البت والكتمان، وأما المسائل التي تحتمل التراخي وليس فيها سر، فلا بأس بتوسع دائرة البحث لها، وربما أشركنا الجدد في البحث أحيانًا بطريق غير مباشر عن طريق أسئلة وحوار يديره معهم قدماء الدعاة ويكتبون تقريرًا عنه، ولولا أن هناك احتمال غرور الجديد إذا أشركناه في البحث المباشر وشعوره بأكثر من قيمته لقلنا باستساغة استشارته في بعض الأمور.