الصفحة 146 من 373

... (الحقيقة الأولى) : أن تباعد المدن في كثير من الأقطار، وكثافة العدد الذي يحتضنه التنظيم، واحتمالات التأثير الشخصي في الآخرين: أسباب كثيرًا ما تؤدي إلى نشوء اجتهادات متباينة في الجماعة تتعدد فيها المفاهيم والتحليلات ووجهات النظر السياسية والخططية، وهي ظاهرة صحية إذا استطاعت القيادة أن تجعل وفرة الآراء مصدرًا يمكنها من الاختيار، والقياس، ووضع البدائل، واكتشاف الردائف المعينة، لكنها يمكن أن تنقلب إلى ظاهرة مرضية إذا أهملت القيادة بحثها، فتتكون الجيوب، ومجالس التناجي، ومقدمات الفتن الملهية المعيقة الصارفة عن الغاية، وأقل ذلك: تكوين مدارس فهم متعددة.

... (الحقيقة الثانية) : أن الحجر على الأفكار لا يمكن، إذا أمكن فلا يجوز، فأنه يقتل الهمم، وينتج عقليات مقلدة لا تجيد الاجتهاد والابتكار واستنباط الأحكام المناسبة لكل ظرف ومرحلة، ولكنه توحيد هذه الاجتهادات، والتقريب بينها بالحسن والإقناع، عن طريق إحصائها وجردها، ثم نقدها بالدليل والمنطق العقلي، ثم سماع التعقيب أو الاعتراض، ثم العودة لشرح مبررات الخلاف.

... (الحقيقة الثالثة) : أن تبادل الحوار في فقه الدعوة شأنه كشأن كل وسيلة، إنتاجها كامن في النمط الأوسط لتنفيذها والعمل بها، ويساء استخدمها بالإفراط والتفريط، فكما أن تفرد القلة بالرأي يمنع الإبداع، ولا بد من الثورى، فإن الإسراف في الحوار والاعتراض، أو إشراك كل الأعضاء بلا تمييز من شأنهما أن يمنعا الحزم، ويفوتا الفرص، ويعلما اللغو، ويشجعا على التعصب والتصلب فالافتتان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت