... إن المنطق في هذه العناية هو أبعد من مجرد حيازة الفلاح الذى لم تهمل خطة الانسياب ذكره، وانما هى العناية بالريف باعتبار أن الجيل الجديد من ساكنيه هم رافد مهم من روافد النمو الاجتماعى في المدن، ذلك أن نمط الحياة الحديثة، وانتشار المدارس في القرى، وتسهيل المواصلات ،ووصول أجهزة الراديو والترانزيستور إلى أعماق الصحراء، فضلا عن الريف، كل ذلك جعل أهمية الشاب الريفى تقارب الحضرى، فبعضهم يدخل المدارس المهنية والجامعات ويكثف وجودهم في أجهزة وزارات الدولة ذات الخدمة العامة، التى تتوزع فروعها بعيدا عن المدن، ويصبح جيل كبير منهم عمالا فنيين، وذلك يعنى أنهم يمكن أن يكونوا أصحاب علاقة بالحياة السياسية والفكرية، مع تعفف فطرى يفتقده الكثير من شباب المدن، ونخوة وشجاعة، وصدق ووفاء وكرم، وبعد عن الترف، ومقدرة على تحمل المشاق، وهى محاسن فريدة تطغى على سلبية السذاجة التى تعترى بعضهم والتى يمكن علاجها بتدريج من خلال توعية وتربية ومواجهة عملية للحياة المدنية.
إنه ربما كانت هناك قله طموح عند معظم الريفيين بسبب فقرهم، بحيث يرضى أحدهم بأول منزلة يصل إليها كعامل بسيط أو ككاتب أو عسكرى صغير، ولا يطمح طموح الحضرى للدراسات العليا، ولكن نجد أن مؤشر التطور الحضارى في كثير من البلاد يشير سنة بعد سنة نحو تقربهم من طبيعة أهل المدن ،مما يجعلنا ملزمين بالعناية بهم.
*ولأداء هذا الواجب يمكن أن تقتبس الجماعة من الدعوة السنوسية خطة إنشاء الزوايا مع بعض التعديل إذا اقتضت لظروف، فالزاوية الحديثة يمكن أن تكون مدرسة شرعية في قرية بارزة من مجموعة قرى، تلحق بمسجد، ويكون بها قسم داخلى لسكن طلابها الذين تنتقيهم من أبناء الريف أنفسهم ومن أولاد أشرافهم ورؤسائهم إذا أمكن، مع مكتبة مناسبة، ومستوصف إذا كانت الخدمة الصحية ضعيفة، ومزرعة صغيرة وحديقة يساهم الطلاب في زراعتها ومنها يأكلون.