... وليس الذى ذهب إليه هؤلاء الدعاة بصواب أبدا، فإن عقيدتنا، هى عقيدة الإسلام الصحيحة ليس غير، وإنما وضع السلف لها هذا الاصطلاح وسموها بأنها عقيدة أهل السنة والجماعة، تمييزا لها عن عقائد طوائف المبتدعة.
... وقد يظن بعض الدعاة بأن الجزم بالصواب مسألة نسبية، فكل ذى عقيدة يجزم بأنه الأصح والأقرب إلى الحق، وإن أهل البدع يتعبدون بعقيدتهم، ويرون أنفسهم أنهم على صواب كما نرى أنفسنا، ولذلك يدعو إلى صلح الطرفين، وإلى إقرار متبادل كما دعا إلى تنازل متقابل.
... وهذا بدورة خطأ آخر، فإننا لا نصدر عن أراء عقلية حتى نطالب بعدم ادعاء صحة عقيدتنا فقط، وإنما عقيدتنا مأثورات وأخبار مسندة مرفوعة إلى النبى صلى الله عليه وسلم برواية الثقات العدول، وقد قال الإمام الغزالى أن: (البدع كلها ينبغى أن تحسم أبوابها وتنكر على المبتدعين بدعهم، وإن اعتقدوا الحق) . (لأن خطأهم معلوم على القطع، بخلاف الخطأ في مظان الاجتهاد) ، (ولكن إن انقسم أهل البلد إلى أهل البدعة وأهل السنة، وكان في الاعتراض تحريك فتنة بالمقاتلة، فليس للآحاد الحسبة في المذاهب إلا بنصب السلطان) (1) .
... ولما كان لا يتصور في أغلب بلاد الإسلام اليوم أو كلها وجود سلطان يجد في قلبه ألما لشيوع البدعة، فإن نهى المبتدعة سيتعطل عند مراعاة حرفية مثل هذا الشرط الفقهى، ولذلك يحور الشرط إلى شرط آخر يضمن وجوب كون الناهى عن البدعة من أهل العلم الواسع مثلا، أو المكانة الاجتماعية العالية والنبل المعترف به من قبل جمهور الناس، وما إلى ذلك، (فإن كانت البدعة غريبة والناس كلهم على السنة فلهم الحسبة بغير إذن السلطان) (2) .
(1) إحياء علوم الدين 2/327
(2) إحياء علوم الدين 2/327