الصفحة 113 من 373

... وللمعترض المستعجل حق في ذلك، فإن هذه الوصايا تثير الالتباس، ولكن من يجمع كلامنا إلى بعضه، ويرى كل الذى كتبناه: يدرك أننا نسبقه إلى إنكار التكلف، وأننا إلى الزهد أقرب وما ثم لدينا إلا رغبة في إبعاد الداعية عن إهمال مظهر نفسه، فإنك ربما رأيته لا يقص شعر رأسه حتى يطول، أو لا يحلق ذقنه لأيام إن لم يكن من أهل اللحى، أو يلبس القميص لأيام دون غسله، أو لا يغتسل هو أياما، وأما الملبس الغالى المتتبع لآخر مبتكرات الخياطة فنحن أسبق من كل سابق في النطق بكراهته وذمه.

... إن البعض يرى أن هذه الأمور من الصغائر التى لا تناسب التذكير القيادى، وهى في عرف الأوساط السياسية والفكرية كبائر.

هجرة الأحرار لا يعرقلها ناكص

... وعلى كل، فإن التجربة التربوية لا تستعبد أن تؤدى هذه المطالعات غير الإسلامية التى نحث عليها، ومجالس المثقفين، وهذا التجمل في المظهر، إلى تأثيرات سلبية عند بعض الدعاة، يحب معها الترف والقشور الدنيوية الزائفة، أو يتكبر على فقراء الدعاة، الذين لا يدرى ثقل ميزانهم إلا الله تعالى، أو على غير أصحاب الشهادات الذين ربما فاق عملهم علمه، أو يأخذ يتنطع في فكره وتحليلاته، ويصير أشبه برائد صالونات سياسية متطلع للمناصب منه بداعية متجرد متواضع همام، إلا أن كثافة المواعظ الصريحة، وذكر الرقائق، والرقابة القيادية التى تشرف على تعادل الكلام والمناهج والخطط، والتربية على ما يضاد هذه الأسواء: كل ذلك يجعل العاقبة أكثر سلامة، ومن سقط ولم تنفعه الرقابة والرقائق: كان سقوطه عندنا مصداقا لاحتمالات تساقط متوقعة في هذا الطريق، كأنها سنة من سنن العمل الجماعى، وليس أنفع لنا آنذاك من رؤية التكذيب الواقعى الحتمى لتدليسات المجازات الحماسية التى توهم قليل التجربة بأن كل من سار على الدرب وصل، كأن ليس في الناس الأعرج، والمريض، والراهب، والشهوانى، وفاتر الهمة.

انتكاس الموازين لا يدوم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت