... ومن أضر الأقيسة هنا: أن يقيس الداعية كلامنا هذا بما حوله من واقع الحزبيين والانقلابيين، فيجد ما أوجبنا غير واجب، إذ يرى نكرات الناس يحكمون، وكل جاهل ليس له عشر علم الداعية المسلم يتصدر، وكل مخالف لفطرة الجمال معنى ومظهرا يقول ويتفلسف ويجول.
... وما هكذا تفهم الأمور، فإن القبة الأخيرة من التاريخ السياسى لبلادنا شاذة طائشة، ووجدت الطفولة الفكرية والسياسية لها من أكتاف الجمهور الساذج مصعد وصول، فصالت، والتطور الاجتماعى والمدنى، والهدوء التأملى الذى سيخلف هذا القلق: كفيلان بنمو اتجاهين هما في صالح الحركة الإسلامية حتما: إتجاه ندم الناس على ما كان منهم من خذل لدعاة الإسلام ونصر للحزبيين الذين أذاقوهم مر المتاعب، وربما مالوا لمحاولة وفاء وتعويض وإقبال على الإسلام.
... واتجاه جاهلى آخر على النقيض يحاول تأصيل الفكر العلمانى والنزعة الإلحادية، ولكن من خلال التربية والحوار والأساليب الحرة المشتقة من الديمقراطية الغربية لا من خلال الإرهاب، وهو اتجاه في صالح الحركة الإسلامية أيضا، فإن الإسلام والجاهلية إذا تصارعا في جو من الحرية: كان الإسلام هو الغالب، لقوة الحجة، وموافقة الفطرة، وعند ذاك في تلك المصارعة الحرة، ستبدو أهمية هذه الجوانب في صياغة شخصية الداعية المسلم، والتى أوجبناها آنفا، من الثقافة العامة، وأسلوب البحث الحديث، وإحداث تماس بالمثقفين، والتجمل لهم كما كان الأنبياء عليهم السلام يتجملون.
... ولعلنا لا نغالى إذا صرحنا بأن افتقاد عناصرنا لهذه الجوانب الثلاث كان من أسباب الانحجاب عن الناس، وأنها عزلة نحن اخترناها أكثر مما هى عزلة طوقتنا بها حكومات الكفر والأحزاب.
... إن مقصدنا واضح، والمعنى الذى نذهب إليه صحيح، مع ما عند بعض الدعاة من الاستعداد للانحراف به إلى تفسير دنيوى يبررون به حالهم.