... وصحيح أيضا أن فينا أهل نشاط واتصال بالناس، ولكن الكثير منا ينعزلون في مجالس خاصة، و لا يبعدون عن دائرة رواد المساجد، ويستأنسون بطول اللبث يوميا في مجالس العوام، ونعم البرهان هى على تواضع الداعية، لولا ما فيها من تعويد على الكسل وفتور الذهن، وما سببه الإسراف في التلذذ بها من هجر مجتمعات المثقفين، في نواديهم ونقاباتهم وجمعياتهم وسهراتهم المنزلية، ولابد من إقامة توازن وتوزيع أوقاتنا على أنواع المجالس.
بذاذة موهومة
وكذلك مظهر الداعية وملبسه، شريك في التأثير، وكثير من دعاة الإسلام يستهويهم أجر البذاذة الإيمانية التى يعتقدونها، فيخالفون عرف المثقفين في اللباس، ويهملون هندامهم، وليس لهم من تبرير مقنع، والناس اليوم يلزمها من رفق حطابنا لها ما كان يفعله النبى صلى الله عليه وسلم للوفود، فإنهم وإن كانوا اليوم مسلمين، إلا أن المعانى الإسلامية التى نتداولها معهم غريبة عليهم، وأوشك أن يصبح المعروف منكرا، ولابد أن نتجمل للناس في حدود المباح بما لا يخرجنا عن سمت التواضع، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجمل للوفود (1) باللباس الحسن الأنيق، والنظافة المبالغ فيها، ومس الطيب، ليألفونا، من غير تقليد للمسرفين، ولا جنوح إلى التشبه بالمتبطرين المبذرين، فإن التوسط مازال هو الخير في كل الأمور، وربما كفته البدلة الواحدة لسنين.
... وسيقول قائل: أين إذن ما نعهده من فضيلة ميزة البساطة في الداعية، وكيف نتقرب إلى العامل والفلاح إذا أقررنا الأناقة بندا في صياغة الداعية؟
(1) فتح البارى 6/12 ، طبعة الحلبى ، وأما المكروه فهو التجمل لهم بالحرير والحلة السيراء.