الأول: أن دعوتنا ليست مجرد مسجد عبادة، بل هى محاولة حكم وتأثير في الحياة، وحصول تجاوب الناس معها أمر ضرورى لا غنى لها عنه أبدا، والمنطق يقتضى أن نخاطب الناس على مقدار عقولهم، وأن نقودهم برجال منهم، لا برجال أقلية يظنون أنها منافسة لهم، فيكون الفتور من الأكثرية في التجاوب مع الدعوة.
... الثانى: أن الأقليات قد يختلط مقصدها الإسلامى فعلا بمقصد مصلحى، إذ أنهم لا يستطيعون تكلف مسايرة الدعوة القومية عند الأكثرية، و لا تستطيع الأقلية أيضا التورط في دعوة لقوميتها، فيكون انتسابها الإسلامى هو متنفسها الطبيعى، وإذا كان طبيعيا فإن ذلك يعنى أن من رجال الأقلية من يلتزم الإسلام عن قناعة وإخلاص وتجرد تام، وتذوب شخصيته في الشخصية الإسلامية تماما، وأن منهم من تبقى فيه رواسب وشوائب تحدوه إلى مواقف تقتضيها مصالح الأقلية التى ينتمى لها وإن خالفت المواقف المفترضة في المسلم الكامل، وإنما تخوفنا أن يكون شىء كهذا إذا كان سواد الدعاة الأعظم منهم.
... وكلام ابن خلدون في مقدمته في شرح حكمة شرط القرشية في إمام المسلمين له وجاهة، ويمكن أن يقنع المتردد في قبول هذه القاعدة، فهو يذهب إلى أن شرط القرشية ما كان إلا لعلو كعب قريش بين العرب وطاعتهم لها إذا حكمت، واستل من ذلك أن الأزمان المتأخرة التى ضعفت فيها مكانة قريش وتلاشت وحدتها لا يمكن أن يطاع فيها القرشى لمجرد كونه قرشيا، بل مصلحة الإسلام في استقرار حكم الحاكم الصالح تحدو إلى اختياره من بين رجال الأغلبية التى لها المكانة والسطوة، في كل بلد، ليطيعوه ويعضدوه .
... فبمثل هذا المنطق نوجب قاعدتنا، وعنه نصدر، ولا عن منطق قومى جاهلى. وإذا كان في بلد ما تعادل في التواجد القومى فإن المنطق نفسه يقضى بتعادل مثله في الانبثاث الحركى.