... وهذه سياسة قديمة، حتى أن قارىء التاريخ ليعجب كيف تتكرر الصور بحذافيرها، وينصت لواصف يصف ما حدث قبل ألف عام أو أكثر فيظنه يصف أحوالا يراها.
... وقد حفظ لنا الأديب الثقة ابن قتيبة الدينورى في كتابه القيم (عيون الاخبار) تقريرا لشاعر، كوته معاصى أهل بغداد وإعراضهم عن الإسلام لما غمرهم المال أوائل القرن الثالث فأركسهم في الترف. ثم لذعة العقاب الربانى الذى أحاط ببغداد في صورة من انقلاب الموازين، وسطوة النكرات، وراح يندب بغداد ..
يا بؤس بغداد دار مملكة ~~~~~ دارت على أهلها دوائرها
أمهلها الله ثم عاقبها ~~~~~~~~~ لما أحاطت بها كبائرها
رق بها الدين واستخف بذى الـ ~~~ فضل وعز الرجال فاجرها
وصارت الجيران فاسقهم ~~~ وايتز أمن الدروب شاطرها (1)
وفى هذا الندب والتوجع إيماء جلى إلى طريق التوبة وإرشاد إلى أنه يبدأ بترك الكبائر ولزوم الصلاة والتقوى، ويمر بمعاضدة دعاة الإسلام، ليلتقى مع تمييز يكتسبه دعاة الإسلام لأنساب الأشراف وذوى الأصالة، يتطور إلى صلة ناجحة بالتائبين منهم لإكسابهم الوعى، إذ عندئذ فقط يكون الرجاء واسعا في إحباط مساعى الشطار في ابتزاز أمن الدروب، ومنعهم من الوصول إلى السيطرة ابتداء، أو إحباط حكمهم إذا كانت الفرص وغفلة الصالحين قد خدمتهم بالأمس.