فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 57

وليتصور من يطرح هذا التساؤل لو أنَّ معترضًا اعترض على دعم المجاهدين في الخارج كالمجاهدين في أفغانستان مثلًا، أو في العراق، بأنَّ الباذلين والمنفقين عددهم محدود، وينبغي أن لا تستنزف الأموال الخيرية التي يُفترض أن تذهب إلى المجاهدين في فلسطين، لتحرير المسجد الأقصى من رجس اليهود.

إنَّ هذا الاعتراض ينبه إلى قضية مهمة جدًّا، فليست قضية المسلمين قضية واحدة تُخنق من أجلها القضايا الأخرى، وتُنسى أو تُتناسى كأنَّ الإسلام ليس له من الجراح إلا هذا الجرح، ولا في المسلمين من المصائب إلا هذه المصيبة.

إنَّ احتلال اليهود للمسجد الأقصى موجب من أعظم موجبات الجهاد، واحتلال الأمريكان لأفغانستان موجب من أعظم موجبات الجهاد، واحتلال الروس وعدوانهم على الشيشان موجب من أعظم موجبات الجهاد، واحتلال الهندوس وتقتيلهم للمسلمين في كشمير موجب من أعظم موجبات الجهاد، وفي الوقت نفسه فإنَّ أمريكا التي هي السيف المصلت المشهور على رأس كل مسلم في العالم من أعظم من يجب جهاده وقتاله، فأمريكا تقتل المسلمين في فلسطين بيد إسرائيل، وفي كشمير بأيدي الهندوس، وفي بلاد الحرمين بأيدي عملائها من آل سلول، وفي العراق وأفغانستان واليمن بأيديها وأيدي عملائها، فقتالها في الحقيقةِ في أي بلدٍ، كقتالها في جميع هذه البلاد التي تحتلها، فالعدو واحد، وإن امتدّ في البلاد وانتشر فيها.

فلو ساغ إهمال قضية لأجل قضية، والتعامي عن أمر لأجل أمر آخر، لساغ إهمال جميع القضايا لأجل قضية فلسطين، ولجاء آخر يطالب بإهمال كل القضايا عدا قضية الشيشان، باعتبار الروس عدوًّا منهارًا على وشك السقوط، وهو في حالة ضعف، فهي فرصة للقضاء عليه وتحرير شعب الشيشان المسلم، بخلاف أمريكا التي تمتلك قدرات كبيرة يحسن أن تمهل حتى تضعف قواها ويسري إليها الوهن من داخلها، وليس للمسلمين بها طاقة.

ولأمكن أن يأتي من يعكس القضية، ويوازن بين مفسدة أمريكا ومفسدة روسيا، ويُطالب بتركيز الجهود في حرب أمريكا التي ظهرت بوادر سقوطها، وترك روسيا وإمهالها، خاصةً والعمل ضد روسيا يصب في مصلحة الولايات المتحدة، التي مهما خفت شدة الحرب الباردة بينها وبين روسيا إلاَّ أنَّها تبقى عدوًّا تاريخيًّا لا يُستهان بقوته للأمريكان.

وقد يأتي من يطالب بتوقف جميع الجبهات الجهادية لأجل الجهاد في بلاد الحرمين، لأنَّها منطلق الجيوش الإسلامية التي فتحت العالم، وهي مهد الرسالة وموطن النبوة، ولو حررت من الصليبيين والمرتدين فيها أمكن تسيير الجيوش الجرارة منها، واستغلال موسم الحج الذي يكون أحسن مواطن التحريض على الجهاد بعد زوال الرقابة السلولية عنه، وإمكان الدعوة إلى دين الله كاملًا دون تزويرٍ وتحريفٍ وإسقاط لما لا يهوى أذناب الصليب.

ولأنَّ هذه الحكومة السلولية وجاراتها من حكومات الخليج، تقبع على أعظم ثروات الأمة الاقتصادية في الوقت الحاضر، وهي الثروة النفطية الضخمة، التي لو صرفت في مصارفها الشرعية لاستغنت بها جبهات الجهاد والقتال، ولاستطاعت أن تعد من القوة أضعاف أضعاف ما لديها.

ولأنَّ حكومة آل سلول لو أزيلت وكشف للناس القناع عنها والستار الذي يستر سوأتها، وأمكن أن تُخاطب فِطر المسلمين بخطابٍ شرعيٍّ لم يدخله التشذيب، لخرجت طاقةٌ بشريَّةٌ هي في الحقيقة كنزٌ من أعظم كنوزِ الأمَّة، ولانتشر المجاهدون في سبيل الله من هذه البلاد فاتحين، كما خرجوا يوم أبي بكر الصديق بالجيوش الجرارة لقتال المرتدين والمشركين من الفرس والروم معًا.

ولكننا مع هذه الأمور العظيمة، والمبررات الجسيمة، وكون بلاد الحرمين وجزيرة العرب محتلة تحت حكم الصليب وأوليائه العملاء المرتدين، مع كل هذا لا يجرمنا الاهتمام والعناية بجزء من الجهاد على الحيف على جبهةٍ أخرى وبلدٍ آخر، بل نعتقد أنَّ كل مجاهد في كل أرضٍ مسلمٌ يجب علينا نصرته بكل ما نستطيع، وكل موجبٍ للجهادِ في الأرضِ اليوم فرض عينٍ يجب علينا أن نعمل له بما نستطيع.

تأمَّل هذا، واعلم أنَّ العبرة ليست فقط بجبهات الجهاد القائمة؛ فنقول إن كل الجهود يجب أن تنصب في تلك الجبهات، وننسى مواطن هي أولى منها ولكن لم تقم فيها الحركة الجهادية، بل العبرة بالموجبات الشرعية التي توجب الجهاد، العبرة بالجراح التي تحتاج إلى العلاج، العبرة بأماكن وجود الأعداء الذين يجب ردعهم وقتالهم والنكاية فيهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت