فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 57

ولو صدق نقلهم عن العز بن عبد السلام، فكلام العز الآنف لا ينطبق على ما أرادوه من تعويق جهاد الدفع، لأن العز في سياق كلامه في نفس الصفحة يتحدث عن التولي يوم الزحف إذا كان العدو أكثر من ضعف المسلمين لنص الآية قال العز في قواعد الأحكام في مصالح الأنام 1/ 95 في نفس الصفحة التي نقلوا منها وقبله بفقرتين فقط"المثال السابع والثلاثون انهزام المسلمين من الكافرين مفسدة لكنه جائز إذا زاد الكافرون على ضعف المسلمين مع التقارب تخفيفا عنهم لما في ذلك من المشقة ودفعا لمفسدة غلبة الكافرين لفرط كثرتهم على المسلمين وكذلك التحرف للقتال والتحيز إلى فئة مقاتلة بنية أن يقاتل المتحيز معهم لأنهما وإن كانا من الفرار إلا أنهما نوع من الإقبال على القتال".

فمن قرأ كلام العز كاملًا علم أن الإمام لا يتحدث عما أرادوا من تعطيل جهاد الدفع أو تقييده، بل بترهم للنص وتحريفهم للكلم عن مواضعه هو الذي أحال الكلام لخلاف ما أراده العز، ولكن سياق كلامه يتحدث عن مسألة التولي يوم الزحف فقط، والتولي أيضًا يكون في جهاد الطلب لا في جهاد الدفع، لأن جهاد الدفع قد قدمنا أنه لا يشترط له شرط أبدًا وهذا موطن اتفاق بين العلماء وسيأتي كلام شيخ الإسلام على هذا، علمًا أن مسألة الانهزام من أمام العدو إذا بلغ العدو ضعف المسلمين ليست مسألة متفق عليها بين العلماء، بل هناك من قال بخلاف ما قاله العز في هذه المسألة، فالعز يوجب الفرار إذا كان العدو ضعفهم، إلا أن بعض العلماء لا يوجب ذلك بل يجيز البقاء أو الفرار، والبعض يوجب البقاء مع غلبة الظن بالغلبة، ولسنا بصدد تحقيق المسألة، ولكننا نقول بأن كلام العز على هذه المسألة ليس مسلمًا على الإطلاق، فكلام العلماء المجرد يستدل له ولا يستدل به على الإطلاق، رغم أنه لابد أن يقصر كلام العز على نفس الباب الذي ورد فيه، ولا يتعدى به إلى باب آخر لا علاقة له بالمسألة، وهذه بعض النصوص من العلماء تفيد خلاف كلام العز في مسألة الفرار من الزحف إذا كان العدو ضعف المسلمين، وتبين أن كلام العز في بابه غير مسلم له.

قال شيخ الإسلام في الفتاوى الكبرى 4/ 609"يتعين الجهاد بالشروع فيه وعند استنفار الإمام لكن لو أذن الإمام لبعضهم لنوع مصلحة فلا بأس، وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة وأنه يجب النفير إليه بلا إذن والد ولا غريم ونصوص أحمد صريحة بهذا، لكن هل يجب على جميع أهل المكان النفير إذا نفر إليه الكفاية كلام أحمد فيه مختلف وقتال الدفع مثل أن يكون العدو كثيرا لا طاقة للمسلمين به لكن يخاف إن انصرفوا عن عدوهم عطف العدو على من يخلفون من المسلمين فهنا قد صرح أصحابنا بأنه يجب أن يبذلوا مهجهم ومهج من يخاف عليهم في الدفع حتى يسلموا، ونظيرها أن يهجم العدو على بلاد المسلمين وتكون المقاتلة أقل من النصف فإن انصرفوا استولوا على الحريم فهذا وأمثاله قتال دفع لا قتال طلب لايجوز الانصراف فيه بحال".

فدل كلام شيخ الإسلام هنا على أن مسألة التولي معلقة بجهاد الطلب وليس الدفع، فإن كان الجهاد جهاد دفع فقد قال لا يجوز الانصراف بحال، ويحمل عليه جميع كلام العلماء في هذا الباب.

قال ابن قدامه في المغني 9/ 309: وإذا كان العدو أكثر من ضعف المسلمين فغلب على ظن المسلمين الظفر، فالأولى الثبات لما في ذلك من المصلحة، وإن انصرفوا جاز لأنهم لا يأمنون العطب، والحكم علق على مظنته، وهو كونهم أقل من نصف عدوهم، ولذلك لزمهم الثبات إذا كانوا أكثر من النصف، وإن غلب على ظنهم الهلاك فيه، ويحتمل أن يلزمهم الثبات إن غلب على ظنهم الظفر لما فيه من المصلحة، وإن غلب على ظنهم الهلاك في الإقامة والنجاة في الانصراف فالأولى لهم الانصراف، وإن ثبتوا جاز لأن لهم غرضًا في الشهادة [[1] ]ويجوز أن يغلبوا

(1) ومن أعظم مقاصد الجهاد التي أقضَّت مضاجع العاشقين، وأتعبت ركائب المجاهدين، وفارق الحليم عندها حِلمُه، وأعان العليم على الصبر في طلبها علمُه، الشهادة في سبيل الله، التي يتمنَّاها من غلب توكُّله مخاوفَه، وأدحض يقينُهُ أحابيل شيطانِهِ، وهي ولا ريب أعظم درجات الشوق إلى الله ومحبَّة لقائه، و"من أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه"كما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها.

وقد دلَّ على هذا المقصد كتاب الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، أما الآثار عن الصحابة والسلف الصالحين في ذلك فهي فوق الحصر بكثيرٍ، وسنذكر جملةً من الأدلَّة الدالَّة على هذا المقصد العظيم.

فقال الله عز وجل في محكم التنزيل: (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) ، فأمر من يبيع دنياه بآخرته بالقتال، والمفروض الواجب أن يكون كلُّ مؤمنٍ كذلك، وبيع الدنيا بالآخرة أعظم ما يكون بالقتل في سبيل الله، وما جاء من النصوص في جنس هذا المعنى كلُّه دالٌّ على هذا المقصد.

وقال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) الآية، فجعل القتل في سبيل الله غايةً للبيع، ونصَّ عليه في العقد، وذلك بعد أن ذكر المعنى السابق من بيع النفس لله عز وجل، وهو بيع الدنيا بالآخرة.

وقال أشرف الخلق صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة:"من خير معاش الناس لهم: رجل ممسكٌ عنان فرسِه في سبيل الله يطير على متنه، كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه، يبتغي القتل والموت مظانَّه"الحديث، وهذا الحديث من أصرح النصوص الصحيحة في هذا المقصد واعتباره والأمر به شرعًا، بل هو دليل صريح على علوِّ مكانة من ينوي هذه النية ويطلب هذا المطلب.

وقريبٌ منه في الدلالة حديث عبد الله بن عمرو في مسند الإمام أحمد، أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الجهاد أفضل؟ قال:"من عُقر جوادُهُ وأُهريقَ دمُه"، ومن طلب أن يُهراق دمُهُ لم يزد على أن طلب أفضل مراتب الجهاد، وطلب أفضل مراتب الجهاد الذي هو ذروة سنام الدين لا يمكن أن يكون محرّمًا لا يجوز، بل لا يكون إلاَّ قربةً من أعظم القربات إلى الله.

ومن الأدلَّة الظاهرة على ذلك، ما أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لوددت أن أغزو في سبيل الله فأُقتل، ثم أغزو فأُقتل، ثمَّ أغزو فأقتل"وذَكَر القتل في بعض الروايات ثلاثًا وفي بعضها أربعًا، فقد تمنَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم القتل في سبيل الله، وما كان ليتمنَّاه وهو مفسدةٌ وخسارةٌ ومناقضةٌ للمقصود من خلق الإنسان وعمارته الأرض.

وقد أخرج البخاري هذا الحديث في باب تمني الشهادة من صحيحه، وأخرج فيه أيضًا حديث أنس بن مالك في ذكر النبي صلى الله عليه وسلم قصة أهل مؤتة، وفيه قال:"ما يسرنا أنهم عندنا"، أو قال:"ما يسرهم أنهم عندنا"، ووجه الدلالة منه على اللفظ الأول ظاهر، فالنبي صلى الله عليه وسلم فرح بما أصابهم وهو الشهادة، وذكر أنَّ بقاءهم عنده لا يسره مع أن فيهم زيد بن حارثة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم جعفر بن أبي طالب الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم:"والله ما أدري بأيهما أُسرّ بفتح خيبر أم بقدوم جعفر"، وعبد الله بن= =رواحة وهو من خيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما سره استشهادهم إلاَّ لما للشهادة من فضلٍ يعدل هذه الأمور العظيمة، وهذا دليل على تمني الشهادة وطلبها، وهو على المعنى الثاني ظاهر أيضًا كما في الحديث الآتي.

ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالكٍ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ما من نفس تموت لها عند الله خير، يسرها أنها ترجع إلى الدنيا ولا أن لها الدنيا وما فيها، إلا الشهيد؛ فإنه يتمنى أن يرجع فيقتل في الدنيا، لما يرى من فضل الشهادة"، وتمني الشهيد بعد استشهاده أن يعود إلى الدنيا ليُقتل في سبيل الله، فيه أنَّهم يتمنَّون القتل لفضل القتل وحده لا لمجرد الوصول إلى النعيم عند الله، لأنهم موجودون في النعيم حقيقةً وقت تمنيهم، بل زاد على هذا أنَّهم في المكان الذي لا يُراد النزوح منه والانتقال منه طرفة عينٍ، لعظيم النعيم فيه، ومع ذلك يغلب عليهم فضل الشهادة حتى يتمنون الدنيا لأجله، وليس أحد من أهل الجنة يتمنى الرجوع غيرهم كما في الحديث.

وتمني النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في حياته مرارًا، كما يتمناه الشهداء عندما يرون الفضل بأعينهم، هو من تمام يقينه صلى الله عليه وسلم وتصديقه بخبر الله، ومن سعة علمه الذي علمه الله، كما في قوله صلى الله عليه وسلم:"لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا"أخرجاه في الصحيحين من حديث عددٍ من الصحابة. اهـ من كتاب فقه الجهاد للمؤلف. [التهذيب]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت