وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه حدثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن العبد إذا وُضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة، فيراهما جميعًا، قال قتادة: وذكر لنا أنه يُفسح في قبره، ثم رجع إلى حديث أنس قال: وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت، ويُضرب بمطارق من حديد ضربةً فيصيح صيحةً يسمعها من يليه غير الثقلين" [1] ، وفي رواية مسلم: قال قتادة:"وذُكر لنا أنه يُفسح له في قبره سبعون ذراعًا ويملأ عليه خضرًا إلى يوم يبعثون" [2] .
وقوله (وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم منه) أي: من عذاب القبر كما تقدم.
وقوله (وأمر به في كل صلاة) أي: وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة من عذاب القبر في كل صلاة، ومحل هذه الاستعاذة قبل التسليم، والأمر أمر إرشادٍ إذ أن ترك هذه الاستعاذة لا يبطل الصلاة.
وقوله (في كل صلاة) عامٌ في الفريضة والنافلة.
وقوله (وفتنة القبر حق) أي: امتحان القبر وسؤاله، وأصله فتنت الذهب أي أحرقته بالنار لاستخراج معدنه الصافي والتخلص من الشوائب المخالطة له، وقد تقدم حديث أنس في سؤال الملكين عن قول الميت في رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقوله (وسؤال منكر ونكير حق) أي: هذان الملكان هما الموكولان بسؤال العبد في القبر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا قُبر الميت - أو قال أحدكم - أتاه مَلَكَان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول ما كان يقول: هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين، ثم ينوَّر له فيه، ثم يقال له: نم، فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نم كنومة العروس لا يوقظه إلا أحب أهله حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك، وإن كان منافقًا"
(1) صحيح البخاري - حديث 1308
(2) صحيح مسلم - حديث 2870