وأما قتلُ الفواسقِ الخمس، فإنَّ قتلَها مباح في الأصلِ؛ لأنها غيرُ صيدٍ، وكذلك يجوزُ قتلُ غيرِها مِمَّا ليس بصيد، ما لم يُنْهَ عنه. وتخصيصُ الفواسِقِ بالذكر؛ لفِسقها، فقتلُها مستحبٌّ، وليس بواجب، وغيرها مِمّا لا فسق فيه قتلُهُ جائز، وليس بمستحبٍّ، فهذا فائدةُ
التخصيص بالفسق، وهذا ما انتهى إليه فَهْمي.
وقد ظهر لكم ممّا ألحقته في كتابي من قول أبي عبدِ الله الشافعي أنه يوافق ما ذهبتُ إليه. وإن كانَ جميعُ منْ لقيتهُ من متفقهة الشافعية يعتقدُ خِلافَ ذلك عنه استحسانًا من نفسِه بغيرِ نَقْلٍ ولا دَليلٍ، كما اعتقده ابنُ خوازمنداد المالكي، وادَّعى ما ليسَ له عليه برهانٌ ولا دليل، فقال: الآيةُ منسوخةٌ؛ لأن الإجماعَ قد تقررَ بأن عدوًّا لو استولى على مكة، وقال: لا أُقَاتلكم، وأمنعكم من الحج، ولا أبرح من مكة، لوجب قتالُهُ، وإن لم يبدأْ بالقتال، فهي وغيرها من البلاد سواء، وإنما قيلَ فيها هي حرامٌ؛ تعظيمًا لها، ألا ترى أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بعثَ خالدَ بنَ الوليدِ يومَ الفتحِ فقالَ:"احْصُدْهُمْ بالشَّيفِ حَتى تَلْقاني على الصَّفا"، حتى جاء العباس فقال: يا رسول الله! هلكت قريش، فلا قريش بعد اليوم.
ألا ترى أنه قال في تعظيمها:"فلا يلتقطُ لُقَطَتَها إلا منشدٌ"؟ اللُّقَطَةُ
بها وبغيرها سواء، ويجوز أن تكون منسوخةً بقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة: 193] .
فانظر كيفَ ادَّعى الإجماع في موضع الخلاف! وهذا مجاهدٌ وطاوس من كبارِ التابعينَ، والشافعيُّ من راسخي العلماءِ يُخالفون في ذلك معَ معارضَةِ نَصِّ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وادّعى مُساواتَها لسائِرِ البلادِ، وجَعل لفظ الشارعِ في تعظيمها وتخصيصها مهملًا فارغًا من المعنى. فحينئذٍ لا يُوثَقُ بجميع خطابه، وهذا فساد في الدين.
وأمَّا إذنُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لخالدٍ، فإنما كان في الساعة التي حَلَّت لهُ، فاستدلَّ بموضع التحليل على موضع التحريم.
وأما تحليلُه لِلُقَطَتِها، فليس بِمُجْمَعٍ عليه، فكيف يستدلُّ بموضعِ الخلافِ على موضعِ الإجماع؟ فانظر إليه كيف جعل النسخ في كتاب الله بالتجويز والإمكان من غير دليل.
وإنما أوردتُ مقالتهُ وأوضَحْتُ فسادَها، وإنْ كانتْ مُسْتَحِقَّةً لعدمِ الالتفاتِ إليها؛ لئلا يَغْتَرَّ بها الضعفاءُ. والحمد الله رب العالمين.