ثم بيَنَ اللهُ سبحانَه للمؤمنين هذا الإطلاق، فقال: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 191] ، فحرم الابتداء بقتالهم عند المسجد الحرام حتى يقُاتِلوا فيه ويَهْتِكوا حُرْمَته، فيُقتصُّ منهم فَتُهتك حُرْمَتُهم فيه؛ كما قال سبحانه: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] .
* فإن قلتم: فما الحكم في القتال في المسجد الحرام مع الكفار والبغاة - حرسه اللهُ الكريمُ وطهَّره - فهل يجوز الآن إذا تغلبوا، أو لا يجوز كما كان في صدر الإسلام؟
قلت: اختلفَ أهلُ العلمِ في ذلكَ:
-فقال مجاهدٌ وطاوسٌ وقومٌ من الفقهاء: لا يجوزُ قتالُهم في الحَرَم.
وبهِ قالَ القَفَّال شارحُ"التلخيص"من الشافعيّة.
وحَكى الماورديُّ من الشافعيَّةِ أَنَّ من خصائصِ الحَرَم ألّا يحارَبَ أهلُهُ، وإن بَغَوْا على أهل العدل، فقد قال بعضُهم: يحرُمُ قتالُهم، بل يُضَيَّقُ عليهم حَتَّى يرجِعوا إلى الطاعة، ويدخلوا في أحكام أهل العدل.
ولهم من الدليل: هذه الآية، وما في معناها، ومن السنَّةِ ما رويناه في"الصحيحين"عن أبي شريح العَدَويِّ - رضيَ اللهُ تعالى عنه - أنه قال لعمروِ بنِ سعيدِ بنِ العاص، وهو يبعثُ البُعوثَ إلى مكة -: اِئْذَنْ لي أيُّها الأمير أن أُحدِّثَكَ قولًا قام به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الغدَ من يومِ الفتحِ، فسمعته أُذنايَ، ووعاهُ قلبي، وأَبْصَرَتْهُ عيناي حينَ تكَلَّمَ به؛ إنه حَمِد اللهَ وأثنى عليه، ثم قال:"إن مَكَّةَ حَرَّمَها اللهُ ولم يُحَرِّمْها الناسُ، فلا يحلُّ لامرئٍ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ أن يَسْفِكَ فيها دمًا، ولا يَعْضِدَ بها شجرةً، فإنْ"
أحدٌ تَرَّخص لقتالِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقولوا: إن الله قد أَذِنَ لرسوله، ولم يأذنْ لكم، وإنما أَذِنَ لي ساعةً من نَهارٍ، وقد عادتْ حرمتُها اليومَ كحرمتِها بالأمسِ، فَلْيُبلِّغِ الشاهدُ الغائبَ"فقيل لأبي شريح: ما قال لك؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح! إن الحرمَ لا يُعيذُ عاصيًا ولا فارًّا بدم، ولا بخربة."