* أحسنُ القولِ في هذه الآيةِ قولُ ابن عباسٍ ومجاهدٍ وعمرَ بنِ عبد العزيزِ - رضيَ الله تعالى عنهم - ، وهو أن اللهَ - سبحانَه وتَعالى - أوجبَ على المؤمنين قِتَال المُخالفين لهم في الدِّين الذين فيهم مقدرةٌ على القِتال، ونهاهم عن الاعتداء بقتلِ الذينَ لا قِتالَ فيهم؛ كالصبيانِ والنساءِ والشيخِ الكبير. وقد بيَّنه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ، فنهى عن قتل النِّساء والولدان لمَّا بعثَ إلى ابنِ أبي الحُقَيقِ.
فالآيةُ على هذا القول محكَمَة لا نسخَ فيها.
وقال قومٌ: هذه الآية أولُ آيةٍ نزلتْ في القتال، أبيح لهم أن يُقاتلوا مَنْ قاتلهم، ولا يَعْتَدوا فيقاتلوا من لم يقاتلْهم، ثم نُسِخَ النهيُ عن
قتالِ من لم يقاتلهم بالأمرِ بالقتل والقتال.
والقولُ بالنسخِ مع وجودِ التأويلِ ضعيفٌ لا يُصارُ إليه إلا بتوقيفٍ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وتحتملُ الآيةُ عندي تأويلًا حسنًا ظاهرًا، وهو أن يكونَ أمرَهُم اللهُ - تبارك وتعالى - بقتالِ الذين يُقاتلونهم عند المسجِد الحَرام إذا قاتلوهم فيه، ولا يعتدوا فيقتلوا من لم يقاتلْهم ابتداءً.
ويشهد لهذا التأويلِ ويقوِّيه قولُه - سبحانه وتعالى -: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 191] ، وقولهُ عزَّ وجلَّ: {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] . ويكون المرادُ بـ"سبيلِ الله": المسجدَ الحرام؛ كقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 217] .
ثم وجدتُ - بعد وضعي لهذا الكتابِ بأحوال - بعضَ المفسرينَ الحُفَّاظ قدْ جعلَ هذا التأويلَ تفسيرًا، وقال: نزلت هذه الآيةُ في عُمْرَةِ القَضاء لمّا خاف المسلمون غَدْر الكُفار لمَّا شَرَطوا أن يُخْلوا لهم مكةَ في العامِ القابل
بعد عام الحُدَيْبيَةِ، وكرهوا القتالَ في الشهر الحرام. ولكنه لم يسنِدهُ ولم يَعْزُ إلى أحَدٍ.