قال الشافعيُّ: فحُكْمُ القاضي لا يجعلُ الحلالَ على واحدٍ من المَقْضِيِّ له والمَقْضِيِّ عليه حرامًا، ولا الحرامَ حلالًا، فالحلالُ والحرامُ على ما يعلمُ الله، والحكمُ على ظاهر الأمر.
وكان القاضي شريح يقول للرجلِ: إني لأقضي لك، وإنِّي لأَظُنُّك ظالمًا، ولكن لا يسعُني إلا أن أقضيَ بما يحضرني من البيِّنة، وإن قضائي لا يُحِلُّ لك حرامًا.
وبهذا قال مالكٌ وأحمدُ وجماهيرُ علماء الإسلامِ من الصحابة والتابعين، فإذا شهدَ شاهدانِ بالزورِ أنَّ رجلًا طَلَّقَ امرأتَهُ، لم يَحِلَّ لمنْ علمَ كَذِبَهُما أنْ يتزوَّجَها بعد حكمِ الحاكم بالطلاق.
وقال أبو حنيفةَ: يُحِلُّ حكمُ القاضي الفروجَ دونَ الأموال، وقال: يحلُّ المذكورةَ؛ كالمُلاعَنَةِ؛ فإنه لما حكمَ الحاكمُ بشهادتِهما، فرَّقَ بينهما، وحلَّت للأزواج، وإن كانتْ كاذبةً في الباطن الذي لو لم تُدْلِ به، لَوَجَبَ عليها الحَدُّ، ولَم تثبتِ الفرقةُ لها على زوجها.
* واختلفتِ الشافعيَّةُ فيما إذا وقع حكمُ الحاكمِ في أمرٍ يسوغُ فيه النظرُ والاجتهادُ، هل ينفُذُ في الظاهرِ والباطن؟ وذكروا ذلك فيما إذا قضى الحنفيُّ للشافعيِّ بشفعةِ الجوار.
* والإثمُ: قال فيه ابن عباس - رضي الله عنهما -: هو اليمينُ الكاذبة. وقيل: الرشوة. وقيل: شهادةُ الزور أقيم المسبَّبُ مقامَ السبب في ذلك.
وكلُّه حرامٌ بالاتَفاق.
روينا في"الصحيحين": أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - سمع جَلَبَة خَصْمٍ بباب حُجرته، فخرج إليهم، فقالَ:"ألا إنما أنا بشرٌ، وإنما يأتيني الخَصْمُ، فلعلَّ بعضَكُم أنْ يكونَ أبلغَ من بعضٍ، وأَحْسَبُ أنه صادِقٌ، فأقضيَ له، فمنْ قضيْتُ لهُ بِحَقّ مُسْلِمٍ، فإنما هي قطعةٌ من النار، فَلْيَحْمِلْها أو يَذَرْها"
(من أحكام الجهاد)
12 - (12) قوله جل جلالُه: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190] .