وخصَّ أبو حنيفةَ وجُوبَ التبييتِ بالصوم الواجب في الذمة دون النافلة، والصوم الواجبِ المعيَّنِ في وَقْتٍ مَخْصوص. وقولُ غيرِه أولى، وقولُ الشافعيِّ أرجح.
* وبقي مسائلُ تتعلق بشهادة الشهر اختلفَ فيها أهلُ العلم:
المسألة الأولى: من أدركه الشهرُ، وهو مقيم، ثم سافرَ:
-روي عن علي وعائشة وابن عباس وسُويد بن غَفَلة - رضي الله تعالى عنهم -: أنهم قالوا: لا يجوزُ له الفطرُ في بقية الأيام، وبه قال عَبِيدة السَّلْمَانيُّ؛ لقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة:185] أي: كله.
-وذهب أكثرُ الصحابةِ إلى أنه يجوز له أن يُفطر، ومعنى الآية: فمن شهد منكم الشهرَ كلَّه، فليصمْهُ كُلَّه. أو فمنْ شهدَ منكمُ الشهرَ، فليصمْ ما شهدَ منه، فلا تقييد في الآية، والدليلُ على ذلكَ من السنَّةِ: ما روى ابنُ عبّاسٍ - رضيَ اللهُ تَعَالى عَنْهما -: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - خرجَ إلى مكةَ عامَ الفتح في رمضانَ، فصامَ حتى بلغَ الكَدِيدَ، ثم أفطرَ، وأفطرَ الناسُ معه، وكانوا يأخذُون بالأَحْدَثِ فالأَحْدَثِ من فِعْلِ رَسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - .
الثانية: من أصبح صائماً، ثم سافر:
-قالَ أكثرُ أهلِ العلمِ: لا يجوزُ له أن يفطرَ في هذا اليوم؛ لأنه اجتمع ما يوجب الرُّخْصَةَ وما يوجبُ العزيمةَ، فغلبتِ العزيمةُ، ولأنَّ الأصولَ
تشهدُ بأنَّ مَنْ تَلَبّس بعبادةٍ، لزمه إتمامُها؛ كالحَجِّ والصَّوْمِ؛ ولقولهِ تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] .
-وقالت طائفةٌ: له أن يفطر، وهو قول الشَّعْبِيِّ، وإليه ذهب أحمدُ وإسحاقُ وداودُ والمُزَنِيُّ وابنُ المنذرِ، ولفظُ الكتابِ العزيزِ يحتملُ الأمرين، ويترجَّحُ الآخرُ منهما بما خَرَّجه أبو داودَ عن أبي بصْرَةَ الغِفاري: أنه لما تجاوزَ البيوت دعا بالسُّفرةِ، فقال راوي الحديث: فقلت: نرى البيوتَ، فقال: أترغبُ عن سنةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال جعفرٌ: فأكلَ.
الثالثة: - وهي عكسُ الثانيةِ -: منْ أصبحَ مُسافراً ثُمَّ أقام:
-ذهب الشافعيُّ ومالك إلى جواز تماديه على فِطرِه؛ لوجودِ السببِ المُبيح للفطر.
-وذهبَ أبو حنيفةَ إلى وجُوبِ الإمساك؛ تغليباً للحَظْر على الإباحة، والعزيمةِ على الرخصة.