«إن قيل» : ما وجه قوله: (وأنتم تعلمون) ؟ فإن ذلك إن جعلته خبراً مستأنفاً، فلابد له من ذكر معلم يقترن به حتى يحصل به تمام الخبر، وإن جعلته حالاً يصير تقديره:"لا تجعلوا له أنداداً في حال علمكم"، وذلك غير صحيح، لأن جعل الأنداد محظور في كل حال؟
قيل إن ذلك حال للمنتهي، وليس الإتيان به شرطاً لقصر الحكم على هذه الحال، وإنما هو تنبيه على قبح فعلهم، لأن مرتكب القبيح مع علمه بقبحه أعظم جرماً،
وإذا قيل:"لا تكفر معانداً"فذلك نهي عن الكفر وعن العناد، فكذلك هذا، وعلى هذا قوله تعالى: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} ثم قوله: (وأنتم تعلمون) عام فيمن حصل له العلم بذلك، وفيمن له التمكن مع العلم به، فقد يصف من حصل له التمكن من الشيء الترشح له بذلك الشيء كتسميتهم العصير خمراً، الصبي ناطقاً، والنائم عالماً قد تقرر في عقل كل عاقل إذا تأمل أدنى نظر أنه لابد للموجودات من موجد لها يخالفها، يصح أن يقال لهم:"أنتم تعلمون"وبهذا الوجه قال تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ} ومعلوم أنهم لا يقولون ذلك إلا بأدنى تأمل واعتبار.
{فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) }
«فإن قيل» : كيف خص الكافرين بالنار دون الفاسقين؟