والثاني: أنه شبه ما أتى الله الإنسان من المعاون التي هي سبب الحياة الأبدية بالصيب الذي فيه حياة كل ذي حياة، وما فيه من المشاق المبهمة والعوارض المشكلة بظلمات، وجمع الظلمات تنبيهاً على كثرة العوارض، وشبه ما فيه من الوعيد بالرعد، وما فيه من الآيات الباهرة بالبرق، ثم ذكر كل واحد من هذه الأشياء فقال: إذا سمعوا وعيداً تصاموا عنه كحال من تهوله الرعد فيخاف من صواعقه، فيسد أذنه عنها مع أنه لا خلاص لهم منها وهذا معنى قوله:"والله محيط بالكافرين"، ثم ذكر أنه إذا رأوا لامعاً لهم إما راشد تدركه بصائرهم وإما رفداً ينفعهم اهتزوا له، فمضوا بنوره وذلك قوله"كلما أضاء لهم مشوا فيه"، ثم بين أنه إن اعترض لهم شبهة أو عن لهم مصيبة تحيروا، فوقفوا، وذلك معنى قوله {وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} وقوله {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} تنبيهاً على أنهم يصرفون أسماعهم وأبصارهم عما فيه نجاتهم وتأمل ما فيه صلاحهم، وإنما جعل الله لهم السمع والأبصار لينفعهم ولو شاء الله لجعلهم بالحالة التي أنفسهم عليها يسدهما وتعطيلهما، وذلك تنبيه على أنه إنما أعطاهم هذه الآلات لينتفعوا بها.
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) }
«إن قيل» : ما الفرق بين قوله: {اعْبُدُوا اللَّهَ} وبين قوله {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} ؟
قيل: في قوله {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} إيجاب العبادة بواسطة رؤية نعمه التي بها تربيتهم وقوامهم.
وفي قوله: {اعْبُدُوا اللَّهَ} إيجاب عبادته بمراعاته عز وجل من غير واسطة وعلى ذلك قوله: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ}
وقوله {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ} فحيث ذكر الناس ذكر معه الرب، وحيث ذكر الإيمان ذكر الله - لما تقدم.