«فإن قيل» : كيف وجه العطف في ذلك وقد قال في الأول {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} ولا يليق أن يقال بعده"أو كصيب"؟
قيل: قد أجيب عن ذلك بأنه أريد أو كأهل صيب من السماء.
وقيل: إن ذلك عطف على المعنى وذاك أن التشبيه تارة يؤتي به مطابقاً للمشبه في اللفظ، وتارة يؤتي به على ما يقتضيه المعنى دون اللفظ، وعلى ذلك قوله تعالى: {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} ومعناه كحرث قوم ظلموا أنفسهم أصابته ريح، فروعي فيه المعنى دون اللفظ، وعلى ذلك قول الشاعر:
فلابنة حطان بن عوف منازل ... كما رقش العنوان في الرق كاتب
وتقديره: كعنوان رقشه الكاتب، وهذا النوع من التشبيه يقال له: التشبيه الملقف، والآية تأولت على وجهين:
أحدهما أنه شبه حال المتحرين الذين اشتروا الضلالة بالهدى بمن حصل في ليلة مطيرة ومظلمة راعدة بارقة يخاف من أهوالها وصاعقتها ويسد أذنه خوفاً من أن يصعق ويكون هذا في شغل الكلام بالمشبه به ووصفه بما يعظم من غير أن يكون في تفاصيل صفة المشبه به ما يرجع إلى المشبه طريقة العرب على ذلك قول لبيد.
أفتلك أم وحشية مسبوعة ... خذلت وهادية الصوار قوامها
فشبه الناقة بالوحشية ثم ذكر أنها مسبوعة مخذولة، ولا اختصاص للناقة بهذا الوصف.