قيل: إن في نفي هذه الثلاثة على هذا الوجه تنبيهاً لطيفاً ومعنى دقيقاً وذلك أنه يبين في الأول أن في استعمالهم الخديعة نهاية للجمل الدالة على عدم الحس، ثم بين في الثاني أنهم لا يفطنون - تنبيهاً على أن ذلك لازم لهم، لأن من لا حس له لا فطنة له، ومن لا فطنة له لا علم له، ثم بين في الثالث أنهم"لا يعلمون"- تنبيهاً أن ذلك أيضاً لازم لهم، لأن من لا فطنة له فلا علم له فإذا: من الألفاظ الثلاث إشارة إلى قياس ظاهر وإلزام واجب لمن تأملها وتدبرها.
«إن قيل» : كيف عذرهم بأنهم (لا يعلمون) ؟
قيل لهم: ليس عذراً لهم، بل تعظيم أمر عليهم وأنهم مع جهلهم يجهلون جهلهم كما قال:
جهلت ولم تعلم بأنك جاهل ... وذاك لعمري من تمام الجهالة
وكل ما ذم به الكفار من أنهم لا يعلمون ولا يبصرون ولا يسمعون فتنبيه أنهم لم يستعملوا هذه الآلات ولم يتفكروا.
قوله تعالى: (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ)
وإنما قال على هذا (بنورهم) ولم يقل: بنارهم، لأن المراد من النار ههنا النور الذي يضيء لهم الطريق فتركه إياهم في ظلمات إنما هو لتركهم إياه في قبول التوفيق منه، فلما تركوه تركهم كما قال تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} ، وإنما قال: في (ظلمات) لأنه عنى ظلمة ضلال لهم، وظلمة همومهم في الدنيا، وظلمة يوم القيامة التي تنزه عنها الموصوفون بقوله تعالى {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} .
(أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ)
وإنما قال: (أَوْ كَصَيِّبٍ) لأنه من حيث أنه يدل على أحد الشيئين، ويستعمل في الإباحة والتخيير، وفيه تنبيه على أنه إن شبه بأحدهما فصواب، وإن شبه بهما فصواب، وهذا المعنى في لفظة (أو) دون (الواو) .
{أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) }